الصبرُ جوادُ المرحلة.. عبد الله الشاعر

الصبرُ جوادُ المرحلة.. عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

أليس معيباً أن يجلس الفلسطينيّون أمام مفكرة الجوع ليعدّوا للأسرى أيامهم في رحلة القهر والحرمان ؟ وهل الزمن في الجوع هو ذاته في التخمة والترف ؟

 

انتصف الاسبوع الرابع وأمعاؤهم من ماءٍ وملح، وأمعاؤنا من سمنٍ وسكر، وأيامهم من جوعٍ وكرامة، وأيامنا من شبعٍ وجدل... هم الفرسان يمتطون آلامهم، ويسرجون الصبر جواد المرحلة الذي لا يكبو، ونحن نبالغ في التأثر، ونركب حافلات أضعف الإيمان إلى إرضاء ضمائرنا التي لم يعد يتعبها السفر في قيظ نشرات الأخبار .

 

لم يختر أسرانا الجوع، لكنها الكرامة التي اختارتهم، لأن الاستهتار بمطالبهم الإنسانية قد بلغ مداه، ولأنهم لا ظهر لهم، قرروا الاستناد إلى أمعائهم لتحسين ظروف اعتقالهم القاسية . إنه إضراب من أجل الحقوق، في أعدل قضية كفلتها كافة المواثيق الدولية، فلا يلقون من هذا الاحتلال المجرم غير التنكيل والنقل والعقوبات الظالمة للنيل من إرادتهم، في معركة عضّ الأصابع هذه، فصبر الضعيف أقوى من بطش القوي.

 

إضراب الجوع ينادي الضمائر المتخمة في هذا العالم لعلها تتخذ موقفاً صلباً يُرغم هذا الاحتلال مدعي الديمقراطية على الالتزام بحقوق الإنسان الفلسطيني، في رسائل يرسلها المضربون للشارع ليُصعّد من مساندته لهم، ولمواجهة حروب المفلسين التي يشنها إعلام الاحتلال على أعصابهم، ليزعزع يقينهم، مُلوّحا مرة بسيف استقدام أطباء أجانب لتنفيذ التغذية القسرية، ومرة يفبرك أفلاما مضحكة، ليكسر اصطفافهم حول قيادتهم، لكنّ تلك الأجساد الجائعة منذ خمسة وعشرين يوما، ما زالت ممتلئة بالكرامة، والصبر والثبات، والفطنة والمجاهدة. .      سيواصل الأسرى شقّ غمار هذا الوغى  بجوعهم، رغم رمزية المساندة، ورغم المناوشات الخجلة التي ينفّذها الشباب المخلصون في نقاط التماس، ورغم هذا الفراغ القيادي المهول على الساحة الرسمية، والذي يفغر فيه فم الصمت الرهيب ليبتلع قصة ثباتهم. 

 

يفصلنا عن رمضان أسبوعان، وسيراهن المحتل على عزيمة الأسرى أمام زحف التوقيت عليهم، وسيراهن الأسرى على صدق مساندة الشارع لهم، ميدانياً وإعلاميا، وتبقى ناصية السياسة المتخمة، تتنكر للجوع الكريم المقاوم، ولكنّ الدم الطاهر الذي هزم السيف، ما زال يجري في عروق أسرانا، وسيهزم في ثباته مخرز السجان، ويُسقط مراهناته بما يحمله من عزيمة حتى وإن عزّ الملح، أو نضب الماء.

التعليقات : 0

إضافة تعليق