السلطان ونصر الله.. توأمان في المقاومة والشهادة

السلطان ونصر الله.. توأمان في المقاومة والشهادة
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب:

لم يكن لبعد المسافات أن يغيّر قدر شابين التقيا صدفة في أحد مساجد قطاع غزة، وتقاربت أرواحهما كأنهما ولدا بجسد واحد، وجذبتهما الأيام شيئا فشيئا ليصبحا رفيقين في الدنيا والآخرة.

 

ففي بيت لاهيا الصمود كان الشعب يشعل من نار الاحتلال غيظا ينمو كل يوم في قلبه، وبين أحضانه كان يتربى "مصطفى السلطان" ليرى الظلم يزداد كلما ازداد حبه لأرضه حتى أصبح يتمنى أن يرويها من دمائه الطاهرة، وفي حي الكرامة شمال غزة كان رفيقه "حسين نصر الله"، يعيش بروح المحبوب الثائر يرتوي بعشق بلاده ويروي ظمأه بنور ضيائها المسروق الخافت، حتى جمعهما القدر وتعاهدا على المضي سويا في درب المقاومة والجهاد.

 

توالت الأيام واقترب الغضب من الفيضان، وخلف الكواليس كان الصديقان مصطفى وحسين يقضيان جل وقتهما يعملان سرا داخل وحدة الهندسة التابعة لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، ليجدا طريقا يشفي صدرهما وبذات الوقت يكون خارطة تنقش الألم على وجوه أعدائهم.

 

موعد مع الشهادة

 

ففي صباح يوم 12 ديسمبر الماضي، حزم مصطفي وحسين أمتعتهما وانطلقا على دراجتهما النارية بشغف لإنجاز مهامهما العسكرية التي تنتظرهما في وحدة الهندسة، وما أن وصلا حتى باشرا عملهما بكل تروٍ واتقان وعيناهما تلمعان فرحاً بما صنعت أيديهما.

 

وبعد عدة ساعات، عاد الصديقان على دراجتهما النارية وبحوزتهما عبوات متفجرة وأعيرة نارية، وما هي الا دقائق معدودة حتى انفجرت العبوات وبعثرت جثمانيهما الطاهرين في المكان، ليرتقيا شهيدين على الفور ويرويا بدمائهما أرض فلسطين الحبيبة.

 

وأعلنت سرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، إن الشهيدين مصطفي السلطان (29عاما) والشهيد حسين نصر الله (25 عاما) من عناصر وحدة الهندسة التابعة لها، ارتقيا شهيدين  شمال قطاع غزة خلال مهمة جهادية.

 

وأكدت السرايا، أن دماء المجاهدين الطاهرة ومن قبلها تضحياتهما وإعدادهما لمواجهة العدو الإسرائيلي، سيكون لها وقع كبير في أي مواجهةٍ قادمة، مجددة عهدها لدماء الشهداء وأن تبقى متمسكةً بخيار الجهاد والمقاومة حتى تحرير كامل تراب فلسطين.

 

ولما أن سمع خبر الاستشهاد توقفت نبضات القلوب وتحجرت الدمعات في العيون والعائلتان تشاهدان أحداث الانفجار على شاشة التلفاز وترى أشلاء ابنيهما متناثرة في المكان، ليعتلي الحزن والفخر معاً ملامح ذويهما وأحبابهما، فقد رحلا قمرين من أقمار حركة الجهاد الإسلامي ، وأصبح وهج الشهادة في ديسمبر عطراً فواحاً يكشف مكنون الحب والعشق الدفينين في قلوب محبيهما.

 

واستقبلت عائلة السلطان ونصرالله  جثماني الشهيدين بالزغاريد والتكبيرات لتندمج  دموع الحزن مع مشاعر الفخر، ويزفا عريسين إلى مثواهما الأخير.

 

تسلحا بالكتمان

 

تربى الشهيدان في بيوت الله وعلى موائد القرآن، فكانا منذ صغرهما يلتزمان المساجد وحلقات الذكر ومراكز التحفيظ فأصبح قلباهما معلقين بالمساجد يداومان على الصلوات الخمس ويحرصان على أن يكونا من أصحاب الصف الأول حتى أصبحا من أعمدة المسجد. 

 

كما امتاز الصديقان بالهدوء والطيبة، أحبهما كل من عرفهما، تسلحا بالكتمان والسرية ،ولم يسبق لهما التقاعس عن تلبية أي نداء وطني، فقد كانت غيرتهما الوطنية ورغبتهما الجامحة في الانتقام لمقدساتهما وأبناء شعبهما شعلة طريقها للجهاد.

 

وقال والد الشهيد مصطفى السلطان: " مصطفي تميز ببساطته وشجاعته وهدوئه وتواضعه ، وروحه المرحة فقد كان يمازح اخوانه ويملأ البيت بالسعادة، وكان يتمتع بالسرية التامة ويؤمنني ويقول لي: "بأني الليلة خارج لعملي الجهادي فلا تخبر أمي حتى لا تخاف علي"، وكان لا يتحدث لأحد عن طبيعة عمله ".

 

وأضاف السلطان خلال حديثة لـ"الاستقلال": " مصطفي كان دائما يتحمل مسؤولياته تجاه العائلة رغم انشغاله بالمقاومة، فقد كان طيب القلب وحنوناً على اخوانه و بمثابة الصديق لي ولوالدته، والجميع معجب بشخصيته المتواضعة، وكان يحب الجلوس معنا كل يوم جمعة على شاطئ البحر أو في المنزل خلال أوقات فراغه، وكان دوماً يقول بأن أهلي وعائلتي أغلى شيء عندي ولا يوجد أغلى منهم سوى حبي لله ولرسوله والمجاهدين".

 

في حين، قال والد الشهيد حسين نصر الله: " إن حسين كان كتوما جداً ولا يتحدث عن عمله لأي شخص، فعلى الرغم من أنه كان لا يخبئ عنى شيئاً من أمور الدنيا، إلا أن كل ما كنت أعرفه عنه أنا ووالدته وإخوته أنه يعمل في صفوف الجهاد الإسلامي وسرايا القدس لكن لم نكن نعرف طبيعة عمله إلا بعد استشهاده".

 

ويتابع والد الشهيد: " في يوم من الأيام طلبت من حسين أن يصارحني ولا يخبئ علي عمله من خوفي عليه , فاكتفى بالقول: " هذا عمل خاص في سبيل الله وقد أوصانا الرسول بالسرية والكتمان " .

 

في صفوف المقاومة

 

تعلق قلبا الشهيدين منذ صغرهما بحب الجهاد والمقاومة والمجاهدين، وكانا دائماً ينظران ويشاهدان بطولات المجاهدين وعملياتهم ضد العدو الصهيوني، فقررا الانضمام إلى صفوف المقاومة وخيارهما  الانتماء الى الجهاد الإسلامي، شاركا في كافة فعاليات ونشاطات الحركة، وكانا عنصرين فعالين في منطقة شمال غزة.

 

ولم يَرُق للشهيدين أن يكونا في صفوف القاعدين المتخلفين عن الجهاد , فألحا على المسؤولين في حركة الجهاد الإسلامي أن تتسنى لهما الفرصة للالتحاق بصفوف سرايا القدس، وبعد إصرارهما ونظراً لالتزامها الديني والأخلاقي وهمتهما العالية تقرر انضمامهما إلى صفوف الجناح العسكري.

 

والتحق الشهيدان في العديد من الدورات العسكرية حتى أصبحا مجاهدين صاحبي عقيدة صلبة وقدرات عسكرية عالية، وشاركا مع  المجاهدين في الرباط على ثغور مدينة غزة والعديد من المهام الجهادية.

 

وخلال هذه الفترة تميز الشهيدان  بشجاعتهما وحنكتهما وذكائها العسكري، واتقانهما العمل، وكانا يتقدمان رفاق دربهما في العمل الجهادي، وكانا ملتزمين بجميع الندوات والدورات العسكرية.

 

ونظراً لسريتهما وتفانيهما في العمل وقع الاختيار عليهما ليكونا  مجاهدين في وحدة الهندسة، وتلقى العديد من الدورات في هذه الوحدة، وكان  لهما بصمة واضحة في المعارك التي خاضتها سرايا القدس ضد العدو الصهيوني.

 

وشارك الشهيدان مع إخوانهما المجاهدين في العديد من المهمات الجهادية من تربيض وتجهيز الصواريخ وزراعة العبوات الناسفة استعداداً لأي حماقة قد يرتكبها العدو بحق شعبنا، وصد الاجتياحات الصهيونية التي كانت تنفذها قوات الاحتلال في شمال قطاع غزة، وكان لهما دور مميز في معركة البنيان المرصوص.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق