غياب العدالة الاجتماعية.. رأس الظلم

غياب العدالة الاجتماعية.. رأس الظلم
دنيا ودين

أ.محمد شحادة

إهمال العدالة الإجتماعية وغيابها  في وقتنا المعاصر ، أصبح ملحوظاً ومدروساً ومرصوداً ، في وقت غابت تعاليم الإسلام ومبادئه ، وسادت سياسة الغاب عندنا..فنشاهد ونسمع آهات المظلومين هنا وهناك ، من كل من يتزعم الوضع في وقتنا الحاضر..! ولقد وجب علينا كمسلمين أن نوضح نظرة الإسلام العظيمة ، كما بينها علماؤنا السابقون مما استنبطوه  من أصول الدين العظيم.

 

فلقد اهتم الإسلام بمسألة تحقيق العدالة الاجتماعيّة من خلال منظومة متكاملة شاملة لجميع جوانب حياة النّاس، ولم تأتِ شريعةٌ من الشّرائع السّماويّة حقيقةً بما أتى به الإسلام، فالإسلام يؤكّد على مبدأ التّشاركيّة والمساواة في الحقوق من خلال التأكيد على شراكة الناس في أهمّ موارد البيئة وهي الماء والكلأ والنّار. كذلك يشرع عبادات كالزّكاة والصدقة ويرتّب مسائل كالنّذور والكفّارات والوقف تضمن للمجتمع الإسلامي أن يعيش وفق أرقى معايير العدالة الاجتماعيّة، كما حرص الإسلام على إزالة الفوارق الفاحشة بين طبقات النّاس، من خلال حثّ الجميع على العمل والإنتاج وتأمين الحرّيّة لهم لممارسة تجاراتهم وأعمالهم بعيداً عن الاحتكار المجرّم، أو الاستئثار المعيب.

 

فهو يرسى العديد من القواعد والأسس التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع. ومن أهم هذه الأسس، العدالة الاجتماعية بما تحمله من معانٍ وقيم رفيعة تساعد على قيام مجتمع يتمتع بالسلام والإخاء والمحبة والرخاء. والعدالة في الإسلام لا تطبق فقط على المسلمين، إنما جعلت لجميع أفراد المجتمع بغض النظر عن معتقداتهم..

 

وبحسب الرؤية القرآنية إنّ العدالة الاجتماعية هي رعاية الحقوق العامة للمجتمع والأفراد، وإعطاء كل فرد من أفراد المجتمع ما يستحقه من حقوق واستحقاقات.

 

وقد ركَّز القرآن الكريم كثيراً على أهمية تطبيق العدالة في المجتمع، وبالرغم من أنه قد أشار إلى مختلف أنواع العدالة فيما يقرب من ثلاثين اية، إلا أن العدالة الاجتماعية قد حظيت بأكثر من نصف الآيات التي أشارت إلى العدل، فالقرآن احتوى على ست عشرة آية تختص بالعدالة الاجتماعية، منها {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (المعراج 24 و25) ففرض ضرائب على الثروة الحيوانية والزراعية والمعدنية والنقدية ونحوها، وبذلك تعامل الإسلام، مع صميم المشكلة الاجتماعية، بهدف إزالة أسباب الفقر والحرمان، واقتلاع جذور الفساد الاقتصادي، ذلك لأنه لا يمكن تحقيق العدالة في عديد من أنواعها دون وجود العدالة الاجتماعية، فهي التي توجد الأجواء المناسبة والأرضية الصالحة لتطبيق مبدأ العدل والعدالة في الأبعاد الأخرى، فالعدالة الاجتماعية تعتبر من أهم مكونات ومرتكزات العدل في الإسلام الحنيف.

 

لقد كان الإسلام هو أول من ساوى بين البشر جميعا بغض النظر عن الفروق الدينية أو اللونية أو العرقية أو الطبقية، فلا تمييز بين البشر في كل هذه الأمور. فالناس مستوون كأسنان المشط ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله. وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم «. (وضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة على العدل والمساواة في الإسلام عندما قال: « أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». (أخرجه مسلم) ولقد جاء الإسلام ليعلي من قيمة الإنسان بغض النظر عن عقيدته أو جنسه أو لونه « كلكم لآدم وآدم من تراب «.

 

وللعدالة الاجتماعية أركان وأسس وقواعد لا تقوم إلا بها، وأوّل هذه الأركان المساواة بين الناس: خلق الله سبحانه وتعالى الناس جميعاً من تراب، قال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} (الروم 20).

 

والمساواة بين الناس والتي تعدّ من أهم مكونات وأسس بناء العدالة الاجتماعية تعني المساواة أمام الشرع والقانون، والمساواة في الفرص، والمساواة في تقلد المناصب العامة، والمساواة في الحصول على المكاسب والامتيازات،.

 

أما التوزيع العادل للثروات بين الناس فهو ثاني هذه الأركان، ومن دون ذلك تنعدم العدالة الاجتماعية، وتختفي العدالة الاقتصادية من المجتمع، فلا عدالة اجتماعية من دون توزيع عادل للثروات على أفراد المجتمع، ومن دون إعطاء كل شخص ما يستحقه من مال تجاه ما يقوم به من أعمال منتجة، أو ما يستحقه بوصفه عضواً في المجتمع.

 

والتوزيع العادل للثروات يجب أن يرتكز على أمرين: الاهتمام بالطبقات الاجتماعية الضعيفة وهو الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قوله تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة 60).

 

قواعد العدالة الاجتماعية في الإسلام

 

العدالة الاجتماعية في الإسلام، أمر إلهي، قبل أن يكون مطلبا إنسانياً، فردياً واجتماعياً، وقد ورد ذلك في كتاب الله بقول: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} (النحل 90)، وجعل الإسلام العدل من القيم الإنسانية الأساس، التي جاء بها الإسلام، كما جعلها من مقومات الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، حتى جعل القرآن إقامة القسط أي العدل بين الناس، هو هدف الرسالات السماوية كلها، قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط...} (الحديد 25)، وليس ثمة تنويه بقيمة القسط أو العدل أعظم من أن يكون هو المقصود الأول من إرسال الله تعالى رسله، وإنزاله كتبه، فبالعدل أنزلت الكتب، وبعث الرسل، وبالعدل قامت السماوات والأرض، وبالعدل قامت حضارات وبقيت.

 

وأهمية العدل في الإسلام تتضح في كونه صفة من صفات الله تعالى، حيث إنه سبحانه وتعالى هو «العدل» ويعد العدل من القيم الأساس التي حث عليها القرآن، وكررها في العديد من الآيات، ولقد فرض الله العدل على المسلمين ليشمل كل شيء في حياتهم، ابتداء من العدل في الحكم، إلى الشهادة ومعاملة الأسرة والزوجة وجميع الناس، حتى مع الأعداء والخصوم، فلقد قال الله تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (النساء 58)، وأيضا قال الله تعالى {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} (المائدة 8).

 

كما أن المنظور الاقتصادي الإسلامي للعدالة الاجتماعية يقوم على العدل الذي هو قاعدة من قواعد النظام العام الإسلامي، واتساقاً مع ذلك اعتبر المنظور الاقتصادي الإسلامي العدالة الاجتماعية، غاية للنشاط الاقتصادي للمجتمع المسلم،، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدالة الاجتماعية، الشرط الأول: تكافؤ الفرص، يقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: «والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، وما من أحد إلا وله نصيب في هذا المال، نصيب أعطيته أو منعته، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وعناؤه وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى»، أما الشرط الثاني: عدالة توزيع الثروة الذي يتضمن عدالة الأجور، فقد روي أن أبا عبيدة تحدث يوماً مع عمر «رضي الله عنه» في استخدام الصحابة في العمل فقال « أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة».

 

وفيما يتعلق بأسس العدالة الاجتماعية في الإسلام يقول فإن من أسس العدالة الاجتماعية في المنظور الاقتصادي الإسلامي إقرار هذا المنظور للكثير من حقوق العمال بالتوازي مع إقراره لواجباتهم، والتي يجب أن يسعى المجتمع المسلم كله، إلى توفيرها وحمايتها، ومن هذه الحقوق: الحق في الأجر العادل، وهو ما يستدل عليه من ربط القرآن والسنة بين العمل والأجر، كما في قوله تعالى: {قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت} (القصص: 25)، كما يستدل عليه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:»ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ثم لم يعطه أجره» (البخاري).

 

أما القانون الثاني الذي وضعه الإسلام لضمان التحرر الوجداني الحقيقي، فهو التكافل الاجتماعي، ويقصد به التزام الأفراد بعضهم نحو بعض، فكل فرد عليه واجب رعاية المجتمع ومصالحه، وليس المقصود بالتكافل الاجتماعي في الإسلام، مجرد التعاطف المعنوي من شعور الحب والمودة، بل يتضمن العمل الفعلي الإيجابي الذي يصل إلى حد المساعدة المادية للمحتاج، وتأمين حاجته بما يحقق له حد الكفاية، وذلك يكون عن طريق دفع الزكاة، فإن لم تكف فيؤخذ من الأغنياء ما يكفي للفقير.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق