أهداف التصعيد الإسرائيلي... عبد الرحمن شهاب

أهداف التصعيد الإسرائيلي... عبد الرحمن شهاب
أقلام وآراء

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ بقلم: عبد الرحمن شهاب

تحدث الإعلام الإسرائيلي بكثافة عن أهمية النفق الذي تم تدميره الليلة الماضية، في منطقة كرم أبو سالم تحت المعبر، واعتبره نفقًا استراتيجيًا، وإن كان تجاريًا، هذه المرة تقدم الجيش الإسرائيلي خطوة أخرى في تبرير عدوانه على القطاع، فقد كان التبرير هذه المرة هو إحباط صفقة سلاح كاسرة للتوازن، هو نفس التبرير الذي كان يستخدمه في كل الهجمات التي تستهدف قوافل أو مقرات للجيش السوري أو حزب الله، هذا التبرير لا يحتاج إلى فعل فلسطيني مكشوف مثل إطلاق صاروخ هنا وهناك أو أي استهداف للدوريات أو القوات الهندسية العاملة في الجدار. يبدو ان الجيش الإسرائيلي قد أصبح مستعدًا للمخاطرة المحسوبة، التي قد تتدحرج نحو مواجهة مع فصائل المقاومة في غزة.

 

كان التقدير الإسرائيلي الدائم ان التهديد الأول للدولة يأتي من الشمال من طرف حزب الله والقوى الداعمة للحزب، ولكن بعد ان خفتت أصوات الحرب في الشمال يدرك الجيش الإسرائيلي أنه ليس بمقدور هذه القوى فتح جبهة ضد "إسرائيل"، وهي ما زالت مشغولة في صراعات متعددة، ولكنها قد تكون مستعدة لذلك في ظروف مغايرة للظرف الحالي، خصوصًا ان حزب الله لم يزده القتال في سوريا إلا تزايدًا في القوة التسليحية وخبرة في قتال المدن، وإن كان قد خسر أعدادًا كثيرة في العنصر البشري، لكن هذا ليس عاملًا حاسمًا في مجتمع ولّاد ومتديّن تواق للشهادة.

 

بعض التقديرات الإسرائيلية تتحدث عن ان الدفاعات الإسرائيلية ضد الصواريخ لن تكون قادرة على الصمود أمام حرب مفتوحة من الشمال والجنوب، ومن هنا فليس أمام الجيش الإسرائيلي إلا تحييد الجنوب في المستقبل قبل جهوزية حزب الله لأي مواجهة مع إسرائيل، وهذا ربما يتطلب الدخول في معركة في الجنوب تكون مخرجاتها التوصل إلى تجديد ما يسمونه "الردع" لعدة سنوات لاحقة.

 

الفعل الفلسطيني كان حاضرًا على الطاولة الإسرائيلية وجاهزًا للاستغلال، فما يسمى إسرائيليًا بتنقيط الصواريخ أمر حاضر بقوة على طاولة البحث السياسي والأمني والإعلامي والشعبي، بعد أن غاب عنها لفترة طويلة، فما من نشرة أخبار إلا وتذكر فيها الجبهة الجنوبية، وما من لقاء مع مسؤول إلا ويُسأل عن موقفه ممّا يحدث في الجنوب، وفي الأيام الأخيرة بات تنقيط الصواريخ مدخلًا للمعارضة لمناكفة الحكومة واتهامها بالعجز والضعف أمام حماس (تصريحات غباي)، ممّا اضطر الحكومة بكافة أقطابها للرد ووصف المعارضة باللامسؤولية والرغبة في توريط الحكومة بحرب أخرى، في الوقت الذي تقوم به الحكومة وستقوم بكل ما يلزم لتأمين أمن الدولة ومواطنيها وتأمين سيادتها.

 

- لبيد، رئيس حزب "يوجد مستقبل"، كان أكثر حرصًا في تمثل المسؤولية، لكنه مع ذلك دعا الجيش إلى استخدام "صندوق العدة"، أي قدراته ووسائله، بما فيها الاغتيال، ودون التسبب بحرب أخرى.

 

- من الملفت للانتباه إشارات الإعلام الإسرائيلي القوية للجهاد الإسلامي باعتباره المسؤول عن إطلاق الصواريخ بناءً على تعليمات من إيران - بحسب زعمهم - والاشارة إلى أن مصادر مصرية تشاركهم في هذا التقدير (تسفي يحزكيلي في القناة العاشرة).

 

- بحسب بعض القراءات الإسرائيلية، فإن حماس ليس لها مصلحة في جولة تصعيد، وليس لها مصلحة في استمرار إطلاق الصواريخ، وتقوم أحيانًا بمنع إطلاقها وأحيانًا تنفذ اعتقالات، لكنها مع حركة الجهاد تستخدم قنوات الحوار؛ لكن دافعيتها لمنع الإطلاق لم تعد كما كانت، بسبب تفاقم الأزمات المعيشية في قطاع غزة وتراجع المصالحة.

 

ما سبق يشكل أجواءً مناسبة جدًا لصانع قرار الحرب في "إسرائيل"، فهو يحقق شرطه الأولي الأساسي، وهو وجود إجماع داخلي على ضرورة الذهاب إلى جولة تصعيد باعتبارها باتت أمرًا اضطراريًا لا مفر منه، وليس باعتبارها خيارًا من بين خيارات أخرى. فمن المهم للحكومة - وعلى وجه الخصوص حكومة نتنياهو المطارد بالعديد من ملفات الفساد - ألا تترك مجالًا لتفسير تصعيدها بأنه في سياق خدمة أجندة نتنياهو الشخصية، وفي هذه الأيام عندما تقوم المعارضة باتهام الحكومة بالتقصير ويقوم الجيش بالدفاع عن سياسات "عدم التهور" وتدافع الحكومة عن سياسات احتواء التصعيد؛ فإن الوقت لن يكون طويلًا إلى ان تمنح الحكومة ضوءها الأخضر للبدء بجولة تصعيد في حال استمرار إطلاق الصواريخ.

 

في هذا السياق، يأتي تصريح ليبرمان - الذي يمكن قراءته في سياق تأليب الرأي العام الفلسطيني على حماس - خدمة العلاقات العامة لوزارته وله شخصيًا على مستوى الرأي العام، باعتبار الشعب في غزة ضحية لحكم حماس، وأن "إسرائيل" ستكون الشريك الأول لأهل غزة في بناء القطاع، والتهديد أيضًا بأن صبر "إسرائيل" لن يطول على الأعمال "الاستفزازية" من جانب حماس.

 

 وبرغم الحسابات السابقة المحذرة، وعطفًا على الحسابات المشجعة، فلا نستبعد ان المطبخ السياسي - الأمني الإسرائيلي يسعى لترميم تآكل الردع من خلال تحرك محسوب تكون مخرجاته تجديد التهدئة لعدة سنوات جديدة، مع تفضيل تحقيق أهدافها في إعادة الهدوء دون الاضطرار لتوسيع الجولة وصولًا إلى حرب، جولة تصعيد محدودة ومفتوحة الخيارات في نفس الوقت، بما يخدم متطلبات المشهد العدواني عسكريًا، ومتطلبات أجندة نتنياهو وليبرمان سياسيًا.

التعليقات : 0

إضافة تعليق