"الترانسفير" والحركة الصهيونية

عين على العدو

ياسمين مسودة

يكمن جوهر الصهيونية في إيجاد وطن قومي لليهود، ولتحقيق ذلك لا بد من تنفيذ الهدف الأهم في المشروع الاستعماري الكولونيالي في أرض فلسطين المتمثل في مقولة :»أرض أكثر عرب أقل»، ولا يمكن تحقيق هذه المقولة على أرض الواقع بدون عمليات تهجير وطرد (تطهير عرقي) واسعة النطاق للشعب الفلسطيني من أرضه، فخلال عام  1948 نفذت حملات واسعة من التطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين من فلسطين التاريخية، رغم كل القوانين والأعراف الدولية التي تحرم طرد وتهجير السكان أو تغيير مكان سكنهم قسريًا، فبموجب اتفاقية جنيف الرابعة  وتحديدًا المادة 49: « يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى محتلة أو غير محتلة أيًا كانت دواعيه». وبناءً على الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين الفلسطينيين ووفقًا لنظام روما الإنساني للمحكمة الجنائية الدولية  فإن ذلك يشكل خرقًا للقانون الإنساني.

 

إن المتتبع للأدبيات الصهيونية والإسرائيلية، سیجد عددا لا یحصى من التصريحات المباشرة وغیر المباشرة لزعماء ومسؤولين اسرائیلیین، تضمنت الدعوة إلى ترسیخ أغلبیة یهودیة في فلسطین عبر وسائل شتى، على اعتبار أن هناك علاقة وطیدة بین حجم الیهود في فلسطین وبین مزاعمهم التاريخية والدينية فيها، وهو ما یجعل التفوق العددي والنوعي للیهود في فلسطين مسألة استراتيجية، شهدت الكثیر من اهتمام المسؤولين ومراكز صنع القرار في إسرائيل.

 

يقوم مفهوم الترانسفير بشكل أساسي في كل مشاريع الاستعمار الاستيطاني على أوهام تطهير الجسم السياسي الاستيطاني من الأغيار الأصلانيين في نهاية المطاف، بحكم أن وجودهم يشكل تحدي للشرعية الأساسية للمستوطن.

 

صرح موشيه ديان في حزيران/يونيو 1950 «يجب أن تكون سياسة حزب مباي موجهة إلى اعتبار 170 ألف عربي كأنه لم يقرر مصيرهم بعد. وآمل أن تكون هناك إمكانية في السنوات القريبة لتنفيذ ترانسفير لهؤلاء العرب من أرض إسرائيل. يجب أن تكون هذه الإمكانية قائمة بالحسبان كل الوقت، ويجب عدم فعل أي شيء يتناقض مع ذلك». وكان من المتشددين تجاه البلدات العربية، وعارض منح العرب المواطنة الدائمة، وعارض دفع تعويضات للعرب الذين نهبت أراضيهم، كما عارض أي علاقات بين اليهود والعرب.

 

 لم يقتصر الترانسفير على الطرد المباشر فمنذ سنة 1967 تم إلغاء حقوق الإقامة لحوالي 14.200 شخصًا من حاملي بطاقات الإقامة الدائمة في شرقي القدس المحتلة، ويُزعم الاحتلال أن هؤلاء المقيمين، في معظمهم، لم يعودوا يستوفون متطلبات «قانون الدخول إلى إسرائيل» الذي اعتُمد في سنة 1952 ، والذي ينصّ على أنه «يتعين على حاملي بطاقات الإقامة الدائمة أن يثبتوا دوريًا أنهم يقيمون ضمن حدود بلدية القدس، وأن يقدّموا الأوراق الثبوتية التي تؤكد ذلك»، وهو ما يعرف بالطرد غير المباشر.

 

أُدخل في سنة 2003 تعديل على قانون الجنسية حظر على الفلسطينيين حاملي الإقامة الدائمة، والمتزوجين بفلسطينيات من الضفة الغربية أو غزة، تقديم طلب لمّ شمل العائلة كي تتمكن زوجاتهم من الحصول على الإقامة في مدينة القدس. وبالتالي، أُجبر العديد من أصحاب الإقامات الدائمة الذين مُنعوا من لمّ شمل عائلاتهم ولا يستطيعون الإقامة « قانونيًا» في مدينة القدس مع عائلاتهم، على الانتقال إلى مناطق يحافظون فيها على حقوق إقامتهم من خلال تطبيق شروط «قانون الدخول إلى إسرائيل»، أو سيتعرضون لخطر خسارة إقاماتهم إذا ما سكنوا خارج حدود مدينة القدس.

 

لم تقف الأمور عند توجیه التصریحات العنصرية بالطرد والإبعاد، بل تعداه إلى تقدیم مشاریع دعت لذلك، مثال ذلك ما قام به النائب أرییه الداد « بتاریخ 8 نوفمبر 2004 حین تقدم بمشروع قانون للكنیست یدعو لطرد الفلسطینیین وسماه «مشروع النفس بالنفس»، وینص على أنه في حال اتخاذ قرار لإخلاء مستوطنة یهودیة، یجري بموازاة ذلك إخلاء من فلسطيني 48 فیه عدد مشابه من السكان، ویحدد في مرسوم، وینقل سكانه إلى المناطق المحتلة».

 

قدم أفیغدور لیبرمان عام 2004 خطة جدیدة یقترح فیها القیام بتقسیم جدید لفلسطین الانتدابیة إلى دولتین، یتم فیها تبادل سكان وأراضٍ من أجل جعل دولتي إسرائیل وفلسطین «متجانستین دیموغرافیًا»، إحداھما للیهود والثانیة للعرب، ویعتبر لیبرمان أن المواطنین العرب الذین باتوا یشكلون 23% (یشمل سكان القدس وفقًا لحساباته) من مجمل سكان إسرائیل، بعد أن كانوا 12 % عام 1967 ، سیؤدون إلى انهیار إسرائیل بعد عقد أو اثنین، والحل برأي لیبرمان أن تبدي إسرائیل استعدادًا لتسدید  الثمن المطلوب للتخلص من الخطر، بواسطة التخلي عن أراض واسعة من مناطق 48 (أراضي فلسطين التاريخية)، بما في ذلك إخلاء مجمعات سكانیة یهودیة في وادي عارة، تمهيداً لتوفیر حل مناسب یقوم على تعدیل الحدود على شاكلة قبرص، كما قال لیبرمان: «نحن هنا وهم هناك»، وإعادة المثلث ومجمعات سكانیة في الجلیل للسیادة الفلسطینیة، في المقابل اقترح القیام بضم الكتل الاستیطانیة الكبیرة في الضفة إلى منطقة سیادتها».

 

ترسخ مفهوم الترانسفیر لدى قادة الفكر الصهيوني وفي اللجان والمؤتمرات الرسمیة بحثًا عن سبل للتخلص مما اعتبر تحدیًا دیمغرافیا، بهدف تحقیق ما یسمى «یهودیة الدولة»، وخاصة في ظل صعود الیمین الدیني والقومي في إسرائیل، وفي ظل ما عرف بـ «الضمانات الأمریكیة»، والدعم الأمريكي والغربي.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق