أطفال القدس .. سنابل تحصدها وحشية الاحتلال

أطفال القدس .. سنابل تحصدها وحشية الاحتلال
القدس

غزة/ دعاء الحطاب:

داخل أزقة مدينة القدس وحواريها يعيش أطفال فلسطين حكايات مختلفة تحمل في طياتها تفاصيل أحلام بريئة يتمنون تحقيقها في وطن خال من الاحتلال الذي يسعى دائما إلى تحطيمها على الحواجز العسكرية ويستبيح حقوقهم ويدنس مقدساتهم.

 

ويستخدم الاحتلال أساليب متعددة ضد الأطفال المقدسيين للاعتداء عليهم والتنكيل بهم، كاعتقالهم ليلا والاعتداء عليهم بالضرب المبرح أمام ذويهم، وإطلاق النار عليه قبل عملية اعتقالهم واقتيادهم مكبلي الأيدي والأرجل ومعصوبي الأعين، بالإضافة إلى تعرضهم للتحقيق دون وجود ذويهم بما يرافق ذلك من عمليات تعذيب نفسي وجسدي، لتبقى فصول المعاناة واحدة في مخيلة الأطفال.

حبيسو الجدران

بينما كانت أزهار الربيع تنثر عطرها الفواح، كان التوأمان أحمد ومحمد محيسن يلعبان كرة القدم في أحدى حارات بلدة العيساوية شرق القدس، يتسابقان مع نسمات الربيع الهادئة بضحكاتٍ تملأ الأرجاء وسعادةٍ تجسد تفاصيل براءة الطفولة الجميلة، حتى شوهتها أصوات جنود الاحتلال الذين اقتحموا البلدة وأرادوا بأسلحتهم بث الرعب في قلوب الأطفال المقدسيين، فهرب التوأمان إلى المنزل وراقبا الأحداث من بعيد، لكنهما لم يعلما حينها أن مجرد وجودهما في مكان الاقتحام كان ذنباً لن يغفره الاحتلال لهما.

 

فبعد يومين من اقتحام البلدة في مارس الماضي، داهمت قوات الاحتلال منزل الطفلين في تمام الرابعة فجراً واعتقلتهما بتهمة قذف الجنود بالحجارة، واقتادتهما لمركز الشرطة وهناك خضع كل منهما لجلسة تحقيق منفردة، لتبدأ أولى حلقات معاناتهما.

 

عاش الطفلان لحظات رعب وخوف لا توصف، فمحقق الاحتلال لم يتوقف عن الصراخ عليهما وإخافتهما بكل الطرق إلى أن أكرههما على الاعتراف بالتهمة الموجهة اليهما، ومنذ تلك اللحظة تبددت أحلامهما ونقلا بمركبة عسكرية إلى المحكمة المركزية ، وصدر قرار بإجبار والدهما على دفع غرامة تقدر بخمسة آلاف دولار وأفرج عنهما مقابل تحويلهما للحبس المنزلي الذي لم تضع محاكم الاحتلال سقفا زمنيا لإنهائه منذ 11 شهراً حتى الآن.

 

وتقول والدة التوأم محيسن:" أصعب شيء على الأم أنها تشوف أولادها يتعذبوا أمام عيونها وما تقدر تساعدهم بشيء ولا ترفع الظلم عنهم،  بشوف الحزن بعيون محمد وأحمد لما يوقفوا على نوافذ المنزل لمشاهدة أطفال الحي وهم يمارسون هوايتهم بلعب كرة القدم، ولا يستطيعان المشاركة في اللعبة"، مضيفة أن حبس طفلين لا  يتجاوزان الـ 14 عاماً داخل أربعة جدران وحرمانهما من أدنى حقوقهما باللعب والتعلم، أبعد ما يكون عن الانسانية.

 

وتتابع الأم المكلومة لـ"الاستقلال":"  الظروف التي نعيشها لم تنعكس على التوأم فقط، بل انعكست على العائلة جميعها والوضع أصعب من أن يوصف، فكل ليلة الجنود يداهمون المنزل لتفقدهما وضمان التزامهما بالقرار، وفي أحسن الأحوال يتصل الضابط ويطلب منا أن نوقظ الطفلين ليطلوا من نافذة المنزل لتفقدهما بدلا من المداهمة".

"

 قلبي محروق على أولادي وعاجزة عن مساعدتهم"، هكذا أنهت محيسن التي أنهك دور السجّانة على طفليها حديثها، فيما ينفطر قلبها أيضاً على ابنها الثالث رامي المعتقل في سجن النقب منذ عام والذي ودّع مرحلة الطفولة داخل سجنه.

 

ويلات الاعتقال

 

أما الطفل المقدسي عبد الناصر عودة( 15 عاماً)، فكانت حكايته مختلفة لكن تفاصيل المعاناة واحدة، فهو الآخر يعاني ويلات الاعتقال منذ عامين ونصف، ويدفع ثمن غطرسة لم تشف غليل سلطات الاحتلال بعد، رغم أنها لم تثبت اتهامها ضده.

 

ففي ليلة 13 سبتمبر 2015، اقتحمت قوات الاحتلال منزل عودة في جبل المكبر بالقدس، وقاموا بتفتيشه بهمجية وكسروا محتوياته بحثاً عن الطفل عبد الناصر الذي لم يتمكنوا من اعتقاله، وأبلغوا العائلة بضرورة تسليمه في اليوم التالي. 

 

انقضت الساعات العصيبة وعاد عبد الناصر إلى المنزل عقب انتهاء دوامه المدرسي، لوداع والدته قبل قيامه بتسليم نفسه للاحتلال في مركز تحقيق "المسكوبية"، الذي مكث فيه لمدة شهر كامل خلال عملية التحقيق، إلى أن صدر حكم عليه بالسجن لمدة 3سنوات بتهمة حيازة السلاح، لينتقل بعدها الى سجن "مجدو" الذي يفتقر لأدني مقومات الحياة.

 

وتقول والدة عبد الناصر:" ابني يتعرض لأشد أنواع العذاب الجسدي والنفسي في سجون الاحتلال منذ سنتين وما زال، وما كنت أتوقع بيوم من الأيام أن الانتهاكات والشبح والضرب والاهمال الطبي وحكايات الأسرى التي تقشعر لها الابدان، ستمارس على ابني الصغير"، واصفةً تلك اللحظة بأقسى اللحظات التي يمكن أن تمر على الأم الفلسطينية.

 

وأكدت عودة لـ"الاستقلال"، أن الاحتلال يُلفق التهم للأطفال المقدسيين ويعاقبهم لمجرد أنهم يحملون الهوية الفلسطينية، ويتفنن في تعذيبهم من أجل زرع الخوف في قلوبهم وردعهم عن مقاومته حتى ولو بحجر صغير.

 

تصعيد كبير

 

وبدوره، أكد أمجد أبو عصب رئيس لجنة أسرى القدس، أن سلطات الاحتلال صعدت بشكل كبير من استهداف الأطفال بمدينة القدس خلال الآونة الأخيرة، فيما تعرض جميع من اُعتقل منهم إلى الاعتداء بالضرب المبرح أثناء التحقيق، واحتجازهم في ظروف قاسية داخل مراكز التوقيف والتحقيق.

 

وأردف أبو عصب خلال حديثة لـ"الاستقلال": "وزير الحرب الصهيوني شرع الكثير من القوانين التي تعطي مجالا واسع للمحققين ورجال الشرطة أن يستبيحوا تعذيب الأطفال الفلسطينيين ولاسيما المقدسيين، من خلال اعتقالهم وتجويعهم وضربهم والتحقيق معهم بمعزل عن أهاليهم لإجبارهم على الاعتراف بالتهم الموجهة اليهم ".

 

وبين أن الاحتلال لم يتورع عن محاكمة الاطفال أمام محاكم عسكرية تغيب فيها العدالة اذا كان المتهم مقدسياً أو فلسطينياً بوجه عامة، وتفرض عليهم أحكام عالية وصلت الى 18 عاما كما حُكم على الطفل محمد عبيدات، بالإضافة إلى أنه انتهج سياسة الغرامات المالية تجاه الاطفال المقدسيين اذ تصل إلى مئات الألاف من الشواكل بهدف تحقيق أقصى درجة من المعاقبة لذوي الطفل.

 

وأوضح أن الاحتلال ابتدع ما يعرف بالحبس المنزلي إلى أنه يثبت براءة الطفل أو إدانته باي تهمة تسوقها الشرطة الاسرائيلية، لافتاً إلى أنه في مدة الحبس المنزلي يُحرم الطفل من التعليم والحق في الحرية، إلا أن هذه المدة لا تُحسب له ضمن مده العقوبة، وهذا يعني أن الطفل يُعاقب مرتين بالاعتقال الفعلي والحبس المنزلي.

 

ونوه الى أن الأطراف الدولية القانونية ومؤسسات حقوق الانسان تواجه النهج العقابي للأطفال الفلسطيني لاسيما المقدسيين، بالانتقادات فقط دون ترجمتها إلى أدوات عملية ضاغطة على الاحتلال لوقف ما يقترفه بحق الاطفال وإلزامه بالاتفاقات الدولية لحقوق الانسان.

 

وذكر أن سلطات الاحتلال تعتقل في سجن مجدو 75 طفلاً مقدسياً، وطفلتين هما ملك سليمان ومنار الشويكي في سجن هشارون، كذلك تعتقل 5 أطفال داخل مؤسسات الأحداث، بينما يخضع 20طفلاً في الحبس المنزلي المستمر، لافتاً إلى أن الاحتلال اعتقل 2496 مقدسياً خلال عام 2017 من بينهم 720 طفلا معظمهم خرجوا بشروط قاسية منها التحويل للحبس المنزلي والابعاد عن البلدة القديمة.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق