باتت تعج بالمناشدات

"الفيس بوك" وسيلة لتضميد جراح فقراء غزة

محليات

غزة / جيهان كوارع:

لم يتوان الذين ضاقت بهم الحال وأحكمت أنياب الحصار قبضتها على حياتهم حتى أفقدتهم مقومات الحياة الرئيسة في البحث عن وسائل مهمة بدت صعبة أو غريبة لكنهم مرغمون للتعامل معها حتى يصل أنين معاناتهم إلى أسماع قد صُمت عن سماعهم لفترات زمنية طويلة.

 

ووجد الكثير ممن ضاقت بهم سبل الحياة في مواقع التواصل الاجتماعي منبرا لإيصال مناشداتهم إلى أهل الخير لتوفر لهم حقوقا من المفترض أن لا يطالبوا بها، فالمرضى والفقراء والطلبة وأصحاب الدخل المحدود وحدتهم الظروف تحت وسيلة واحدة هي مناشدة الكترونية لعلها تجد آذانا صاغية.

 

المواطن أبو سعيد من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة والذي لخص معاناته بسبعة سطور في منشور على الفيس بوك لعله يجد أحدهم يقف بجواره ويخفف من عبء ديونه ؛ "يوجد على عاتقي مستحقات ديون كبيرة جداً وكلها لصاحب المنزل المستأجر منه شقة للسكن ولدي سبعة أبناء أكبرهم جامعة ".

 

أوضح أبو سعيد  لـ "الاستقلال " أنه تعرض للتهديد بالطرد من شقته بالإيجار اذا لم يقم بسداد مستحقات مبلغ الايجار التي تجاوزت 2000 شيكل بسبب عجزه عن العمل لكونه مريضاً، مؤكدا أنه لأجل ذلك أضطر أن ينشر قصته ومعاناته عبر الفيس بوك.

 

وسيلة متاحة

 

وأضاف أبو سعيد :" ذهبت إلى جمعيات أسجل عشان يساعدوني لكن بدون استجابة كلهم بدهم اجراءات ووقت طويل وبالآخر ما بعطوني شيء لكوني بأخذ مخصص مالي من الشؤون الاجتماعية " لافتاً إلى أن مبلغ الشؤون لا يكفي لتوفير المصروف اليومي لأسرته وتوفير علاجه.

 

وبعد أن فشلت محاولاته في قبوله بالجمعيات أوضح أبو سعيد أنه قام بالتواصل مع احد نشطاء التواصل الاجتماعي لينشر معاناته ووافق الناشط بعد أن قام بتحريات عن صدقه واستحقاقه للمساعدة.

 

وأكد أبو السعيد أن المناشدة الالكترونية لاقت استجابة بعد اسبوع واحد من نشرها ليقدم له 3 أفراد من أهل الخير مساهمة بمبلغ مادي اعطاه لصاحب المنزل  بعد تهديده بالطرد ، لافتا الى أنه لا يحق لاحد أن يلومه على طرح حالته الكترونياً  بفعل وضعه الاقتصادي الصعب الذي وصل اليه فهو رغم ذلك غير راضٍ عن وضعه ولا عن قيامه بطلب المساعدة بهذه الطريقة التي يعتبرها محرجة له ولأبنائه.

 

صوت أقوى

 

ولأن كل من داخل غزة مجلود بسوط الحصار وتردي مقومات الحياة كان المواطن سليمان هو الآخر واحداً من اصحاب المناشدات التي غزت الانترنت وفي مختصر حديثه عن دافع لجوئه لهذه الطريقة بيّن أن سوء أوضاعه المعيشية وتدهور حالته الصحية نتيجة مرض الكبد الوبائي الذي استوطن جسده قبل أعوام وعدم مقدرته على توفير علاج وقوت يومي لأطفاله .

 

وأشار سليمان لـ" الاستقلال" إلى أنه يعلم التأثير والانتشار الواسع الذي يحظى به نشطاء العالم الافتراضي لذلك رأى فيهم أملاً في ايصال صوته لأصحاب الاختصاص كي ينظروا بعين الرحمة إلى حالته ويمنحوه فرصة عمل أو مساعدة يوفر منها على الاقل علاجه اليومي.

 

ونوّه إلى أنه لا يجيد استخدام الفيس بوك مما دفعه للاستعانة بأحد الاشخاص ليرسل معاناته في رسالة لأكبر عدد من الصحفيين والصفحات الالكترونية لوسائل الاعلام من الذين يملكون صوتاً قوياً وقريباً من المسؤولين .

 

وقال سليمان : " مناشدتي لم تلق موافقة على نشرها بسرعة ولذلك قمت بإضافة اسمي ورقم هاتفي وعنوان منزلي لكي يتعاطف معي الناس رغم أنني كنت محرجاً ومكسور الخاطر من شهرتي بهذا الحال وفي فترة قصيرة تواصل معي اشخاص وقدموا لي مساعدة وجمعية خيرية اخرى تكفلت بتوفير طرد غذائي شهري للأسرة ".

 

عدد كبير

 

أما الصحفي حسن اصليح الذي أصبح اسمه دليلا أمام الباحثين عن مساعدات أكد أنه يتلقى من 80 إلى 100 مناشدة يومية عبر الرسائل الخاصة لحسابه الشخصي على موقع فيسبوك تتنوع ما بين مطالبات بالسفر وتوفير تحويلات طبية واخرى للفقراء الذين ضاقت بهم الحال .

 

وشدد اصليح لـ"الاستقلال" على أن غزة بها اعداد هائلة من الناس لا يملكون طعاماً في بيتهم وظروفهم صعبة للغاية الى درجة أن ادنى مقومات الحياة غير متوفرة لديهم  وهذا ما يدفع الناس لطرح معاناتهم اعتقاداً منهم أن الصحفيين والنشطاء هم الأقدر على مساعدتهم وايصال صوتهم للعالم.

 

وعن تعامله مع المناشدات أوضح اصليح أنه يقوم باختيار بعض المناشدات الأكثر صعوبة ويتأكد من مصداقيتها بعدة طرق سواء عن طريق معارف الشخص المرسل أو عن طريق مؤسسات ، لافتاً إلى قيامه بنشر المناشدة كما وصلته ويدرج عنواناً للتواصل مع صاحبها.

 

وأضاف:" في بعض الاحيان أوفر مساعدة مباشرة للمناشد عن طريق علاقاتي بأصحاب الجمعيات ، أو أطرح القصة على الافراد القادرين على المساعدة وافسح المجال لهم للتواصل مع المحتاج".

 

وفيما يتعلق بنوع المناشدات أن منها المكتوبة والاخرى المرفقة بصور وتلك الموثقة بالصوت والصورة ، مشيراً إلى أنها تلقى استجابة وتعاوناً من العامة والمقتدرين من داخل غزة بشكل كبير، إلى أن تجاوبه مع المناشدات هو من باب الحرص على التعاطف مع الناس وخدمتهم في ظل الظروف العصيبة بكل ما يستطيع كي يصل جرحهم وحاجاتهم للجميع.

 

حاجة شديدة

 

بدوره، اعتبر الخبير الاقتصادي معين رجب أن ظهور وانتشار المناشدات الالكترونية هو دليل على وجود حالات بحاجة شديدة إلى نفقات اضافية ولهم مطالب لا يستطيعون توفيرها مرجعاً ذلك إلى عدة اسباب أهمها ارتفاع نسبتي الفقر والبطالة ووجود الآلاف بلا عمل ولا مصدر دخل .

 

وأكد رجب لـ"الاستقلال" على أن الحصار والانقسام كان لهما تأثير مباشر  وراء انتشار هذه الظاهرة فرجال الاعمال وأصحاب الشركات الكبيرة اصبحوا مدانين ويمرون بأزمات مالية فكيف بالمواطن البسيط الذي كان دخله متعلقاً بهذه الفئات؟!

 

وتابع: " هموم الحياة اليومية جعلت الناس مشغولة عن الاهتمام ببعضها البعض فالناس مضطرة الى أن تستغيث وتطلب العون من القادرين وهذا من حقهم لأن الفقراء لهم حقوق على الأغنياء ."

 

ولفت إلى أن الوسائل الالكترونية باتت ميسرة وتصل إلى غالبية الناس ، قائلا :"من الطبيعي أن ينتشر التكافل الاجتماعي بيننا في اوسع صوره خاصة وأننا نعاني من ظروف واوقات عصيبة وحصار وضيق" .

 

وأشار رجب الى تراجع دور الجمعيات الخيرية التي من المفترض أن تكون كفيلة بحل مشاكل الناس مبيناً أن  ذلك ناجم عن قلة التمويل المخصص لها وتوقف بعض مصادره الخارجية نتيجة الاغلاق وعدم وجود تواصل كافٍ مع الجهات الخارجية لأن الحصار تمتد آثاره إلى الجوانب المادية.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق