ليبرمان يعترف: نجهل مصير أسرانا الجنود

ليبرمان يعترف: نجهل مصير أسرانا الجنود
عين على العدو

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/  إسماعيل مهرة

من بين لقاءات وتصريحات وخطابات وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الكثيرة، منذ تسلمه حقيبة الأمن خلفًا ليعلون؛ فإن اللقاء الذي أجراه مع القناة الثانية، يوم الجمعة الماضي (12 ديسمبر) يعتبر هو الأهم، حيث تحدث بوضوح وبهدوء حول ثلاثة قضايا هامة: الجنود الأسرى والحصار وكل ما يمكن ان تشمله الحالة الأمنية من تصعيد واكتشاف أنفاق، وصولًا إلى شن عدوان، وسنتطرق هنا فقط إلى قضية اعتراف ليبرمان بجهل مصير جنودهم الأسرى.

 

لقد جاء ليبرمان إلى استديو القناة الثانية مستعدًا، ويبدو أنه هو من طلب اللقاء على خلفية الحديث عن اكتشاف نفق وتفجيره بالقرب من معبر كرم أبو سالم، وقد اختار المنصة الإعلامية الأكثر أهمية، كما تم النشر في ذروة المشهد الإخباري في برنامج «حصاد الجمعة» وهو الأكثر مشاهدة في إسرائيل، وبالمناسبة فإن اللقاء كان مسجلًا، أي انه لم يكن مباشرًا، فقد تم تسجيله في وقت سابق من مساء الجمعة قبل بث برنامج الحصاد، أي انه ينفي أي نوع من زلات اللسان التي يمكن ان تمسّ بما يسمى «الأمن القومي الإسرائيلي»، وفي مثل هكذا لقاءات يأتي المسؤولون مع رسائل واضحة، يكونون قد عكفوا على إعدادها وتحضيرها مع طواقمهم المساعدة.

 

بدأ المذيع داني كوشمارو - وهو من المتحمسين «للوطنية الصهيونية» - بالسؤال عن القضية الأكثر سخونة، والتي تتعلق باكتشاف نفق بالقرب من معبر كرم أبو سالم، ثم طرح السؤال الثاني «متى سينفد صبر حماس؟»، وبعد أن أجاب ليبرمان عن قراءتهم لتقديرات حماس وعن استراتيجية إسرائيل بخصوص ممارسة أقصى الضغوط الممكنة؛ انتقل للحديث مباشرة عن الحصار وعن الحالة الإنسانية، فقال ليبرمان «قبل أي شيء، فإنني عندما أسمع عن الوضع الإنساني أقول: قبل أن نصل إلى اتفاق بشأن أسرانا ومفقودينا، لن يكون هناك أي تحسين يتعلق بالوضع الإنساني، يجب ان يفهم أننا فقط سنسمح لسكان القطاع بأن يحافظوا على رؤوسهم فوق الماء»، وهنا حاول المذيع تلخيص الجملة، ويبدو انه تنبه إلى ان ليبرمان كشف أمرًا خطيرًا يتعلق بمصير الجنود، كما يبدو ان المذيع أراد ان يشوش على كشف ليبرمان ويؤكد حقيقة كونهم جثثًا ويمر على الموضوع مرورًا سريعًا دون ان يمنح ليبرمان فرصة التعليق أو فرصة التغاضي عن الأمر، فأجمل المذيع قائلا بسرعة ودون ان ينظر إلى الكاميرا أو لوجه الضيف ليبرمان، كنوع من إظهار عدم الاكتراث لما يريد ان يجمله «لن يكون تحسين في الوضع الإنساني إلى أن تعاد جثث الإسرائيليين - ولم يقل الجنود - المحتجزين هناك»، ثم رفع رأسه ونظر إلى ضيفه موجهًا سؤالًا سريعًا آخر، لكن ليبرمان الذي لأسباب أخرى أصر ان يعدل على إجمال المذيع قائلًا «نحن لا نعرف إن كانوا جثثًا أم أحياءً».

 

وهنا كان على الصحفي - وهو صحفي كبير وذكي ولماح، ويدرك أنه حصل على سبق صحفي - أن يتوقف عند ما اعترف به ليبرمان، وهو الوزير المسؤول عن متابعة أمر الجنود الأسرى ويجري له استجوابًا عميقًا، وكان يمكن ان يوجه له أسئلة من قبيل: هل تقول لنا بأنكم تجهلون مصير جنودنا المحتجزين لدى حماس؟، وهذا يتناقض مع التقدير الرسمي بأنهم قتلى ويتم التعامل مع عائلاتهم على أنهم عائلات ثكلى، فتحت بيوت عزاء؟ «متى سيدي الوزير توصلتم إلى هكذا تقدير مخالف؟ وهل هذا تقديرك أم تقدير الجيش والمنظومة الأمنية؟ وبناءً على ماذا استندتم في تقديركم هذا؟ وهل أطلعتم عائلات الجنود على تقديركم بأنكم تجهلون مصير أبنائهم، وأنهم في يوم ما يُحتمل ان يحظوا برؤية أبنائهم أحياء؟ ...الخ من مثل هذه الأسئلة؛ لكن المذيع أصر رغم ذلك ان يقاطع حديث ليبرمان ويفرض علية الإجابة على سؤاله التالي، المتعلق بمدى قدرة حماس على الصبر ومواصلة وقوفها متفرجة أمام ما تخسره من أنفاق.

 

في مقابلة واحدة، وخلال أقل من نصف دقيقة، كرر ليبرمان اعترافه بأنهم يجهلون مصير جنودهم الأسرى، حيث قال في البداية «حتى يعود أسرانا ومفقودونا» عندما تحدث عن استمرار الحصار وربطه بعودة الأسرى، ثم عاد ليؤكد ذلك بشكل واضح عندما أراد أن يصحح خطأ إجمال المذيع الذي حاول ان يتحدث عنهم بصفتهم جثثاً. نشير هنا إلى أن ليبرمان يعقد اجتماعًا شهريًا دوريًا يتعلق بملف الجنود الأسرى، أي ان القضية حاضرة لديه بتفاصيلها، واستراتيجية التعامل مع الملف - التي حددتها المستويات الأمنية بموافقة المستوى السياسي - حاضرة أيضًا في عقله، بما في ذلك البعد النفسي والإعلامي في هذه الاستراتيجية.

 

اعتراف ليبرمان بجهل إسرائيل لمصير جنودها الأسرى يعتبر الأول من نوعه بهذا الوضوح، وهذا التأكيد الواعي، وهو يؤكد حقيقة حملة القسام الإعلامية «حكومتكم تكذب عليكم»، فتصريح ليبرمان يؤكد أن الحكومة كذبت على عائلات الأسرى عندما أبلغتهم ان لديها معلومات وتقدير يقيني يؤكد مقتل أبنائهم.

 

ان اعتراف ليبرمان هذا لا يمثل قناعاته الشخصية، بل يمثل قناعات وتقديرات المستوى الرسمي، الأمني والسياسي؛ الأمر الذي يمنح رصيدًا قويًا للمفاوضات على المعلومات المتعلقة بمصير الجنود.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق