بـدعـة «مـعـسـكـر الـسـلام» الإسـرائـيـلـي

بـدعـة «مـعـسـكـر الـسـلام» الإسـرائـيـلـي
عين على العدو

أسعد تلحمي

 

في إسرائيل ثمة من أطلق، بهتاناً وزوراً، على حزب «العمل» الإسرائيلي حزباً يسارياً واعتبره يوماً قائد «معسكر السلام»، متجاهلاً حقيقة أنه لم يكن أبداً يسارياً أو «سلامياً»، فيما تاريخه ينضح بفكرة الاستيطان وتنفيذه في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وهو الذي أرسى في السنوات الثلاث الأولى لقيام الدولة العبرية للقوانين العنصرية والتمييز في تعامله مع الأقلية الفلسطينية في إسرائيل وفرض حكم عسكري عليها لـ18 عاماً استغلها لمصادرة أراضيها، ليس قبل المذابح التي نفذتها حكوماته.

 

وباستثناء فترة إسحاق رابين الثانية، رئيساً للحكومة (1992-1995) حاول فيها تصحيح بعض الغبن التاريخي تحت مسمى «التفضيل المصحح» ودرّ أموال للسلطات المحلية العربية لسد بعض الفجوات الناشئة، لم تأتِ حكومات «العمل» بشيء يعكس الادعاء بأنه حزب سلاميّ أو يساري. بل اختار رئيس آخر حكومة عمالية، إيهود باراك، عام 2000 أن يُسجَّل باسمه تصريح بأن «لا شريك فلسطينياً للسلام مع إسرائيل»، ليحمله اليمين لازمةً دعائية.

 

بعد 29 شهراً فقط، غادر باراك منصبه، تاركاً وراءه حزباً متهاوياً، ومعه يسار الوسط الإسرائيلي كله، يعاني أزمة جدية لا يبدو أنه قادر على تجاوزها في الأفق المنظور. وتختزل قصة الزعيم الحالي للحزب آفي غباي سر تفاقم الأزمة. فقد تم انتخابه لمنصبه هذا بعد أشهر قليلة من انضمامه إلى الحزب قادماً من أكثر الحكومات يمينيةً في تاريخ "إسرائيل" حيث مثّل الحزب الجديد «كلنا» واحتفالاً بقدومه أنبأت استطلاعات الرأي بقفزة في شعبية حزب «العمل» وحصوله على 25 مقعداً في حال جرت الانتخابات في حينه، وكأن «المسيح المنقذ» للحزب المأزوم قد ظهر. وهناك من ذهب في نشوة الانتصار الافتراضي، بينهم غباي نفسه، إلى حساب عدد مقاعد الائتلاف الحكومي الذي سيشكله غباي بعد الانتخابات المقبلة وهوية شركائه المحتملين. لكن سرعان ما خفتَ وهجه بعد جملة تصريحات بيّنت أنه ما زال في قائمة السياسيين المبتدئين، صبّت كلها في تملق يمين الوسط الذي يمثله زعيم «يش عتيد» يئير لبيد والنأي بنفسه وبحزبه عن صبغة اليسار وكأنها وصمة في جبينه.

 

لم يختلف غباي عن نتانياهو في تصريحاته بشأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967 ودعمه المشروع الاستيطاني غير القانوني، وترحيبه الحار بإعلان الرئيس ترامب القدس عاصمة لإسرائيل. ولم يكتفِ زعيم «معسكر السلام» بهذا، بل بدا كمن استغل العداء المستفحل في أوساط اليمين ضد المواطنين العرب وسيل القوانين العنصرية التي استهدفتهم وما زالت، ليعلن أنه عند تشكيل حكومته لن يقبل بمشاركة «القائمة العربية المشتركة» في حكومته، موبخاً عضو الكنيست العربي من حزبه زهير بهلول على مقاطعته احتفالات مئوية وعد بلفور، متوعداً إياه بالعمل على عدم إعادة انتخابه في قائمة الحزب.

 

في واقع الحال، لا يجد «العمل» المتماهي في القضايا الجوهرية مع اليمين، ولن يجد السبيل ليكون خياراً لحزب ليكود الحاكم طالما اجتهد ليكون نسخة مخففة عن «ليكود»، فالإسرائيليون الذين غدوا بغالبيتهم محسوبين على اليمين يفضلون النسخة ألأصلية على نسخة مزورة أو باهتة، وهو ما أكدته نتائج الاستطلاع الأخير الذي منح الحزب 14 مقعداً برلمانياً فقط في حال جرت الانتخابات العامة اليوم.

 

ويبدو أنه لن تقوم لحزب العمل»، مؤسس الدولة العبرية، قائمة إذا لم يأتِ بقيادة جديدة جريئة تطرح بديلاً سياسياً حقيقياً لليمين، بديلاً يقوم على إنهاء الاحتلال وعلى وقف التمييز اللاحق بالمواطنين العرب في إسرائيل. وفي حال واصل المراوحة في وحله، فإن اليمين سيواصل السيطرة على الحكم سنوات طويلة أخرى.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق