فوبيا.. معروف الطيب

فوبيا.. معروف الطيب
أقلام وآراء

معروف الطيب

في طفولتي كانت الجلدة السوداء على عين أحدهم توحي لي دائماً بأنَّهُ شرير.. وتردعني عن الاقتراب منه لمسافة قريبةٍ.. وكذلك النمش في وجه أيِّ طفل أو طفلة يستفزُّني حتى آخر قشعريرة.. لم أكن أعتقد أن خلف تلك الجلدة السوداء أو تلك البقع البنيَّةِ ثمَّ شخصٌ عاديٌّ يمتلك نفسَ أحاسيسنا ومشاعرنا.. ولا أدري لماذا هو متهم عندي دونما اتِّهام ..ربَّما الزمن يعالج الأشياء، ويكسر الحواجز النفسيَّة المفتعلة التي لا مبرر لبقائها.

 

في آخر عمليَّةِ استبطانٍ ذاتيٍّ حاولتُ أنْ أستكشفَ الوسواسَ هل تلاشى؟.أم مازال مختبئاً في مكانٍ ما في غياهب اللاشعور؟ ..كلا.. إِنَّ التقدم في العمر يجعلك تحافظ على توازنك ..فتظهر ببرستيج المتسامح والعفوي الذي يتقبَّلَ الناسَ جميعاً، هيَ فوبيا باختصار وأرجو أنْ يسامحني أيضاً أصحابُ العيونِ الزجاجيَّةِ.

 

في زيارتي الأخيرة لمصر التي أعشقها، كنتُ وحيداً.. لم يرافقني أحد، وكنت في الزيارات السابقةِ مع آخرين، وكنتُ عندما أرتعشُ خوفاً وأنا أتسلق جسراً معلَّقاً في الهواء أُضطر لأن أمسك يدَ أحدهم حتى أجتازه.. وكنت أطبق جفوني رهباً.

 

طريقي مليء  بالجسور كطريق شعبنا في غياهبِ السياسةِ.. والجسور سواء ذاك الممتدُّ على باب جامعة القاهرة، أو ذاك الممتدُّ في محطة المترو المؤدي لكراج الجيزة، أو جسر المؤسسة المعلق فوق الطريق السريع، وغيرها من الأماكن التي أحتاج الذهاب إليها.. كانَ يقودني أحدهم كالأعمى.. في هذه الرحلة كنت محتاجاً لاجتياز رهبي من المرتفعات، حيثُ لا خيارات متاحة أمامي.. كنت وحيداً وقررتُ الانتصار على الفوبيا.

 

اِحْتَلْتُ لنفسي في بدايةِ الأمرِ فمشيت في وسط الجسرِ بخطواتٍ معتدلةِ السرعة لا أنظر لليمين أو الشمال، ووضعت السماعات في أذني؛ لأتحاشى  نعيق القطاراتِ ونحيب السيارات التي تخطف القلوب وتذكرني أنني على الجسر.. مرة تلو الأخرى بدأت بتغيير سلوكي.. فتنازلت عن السماعات التي تغلق أذني.. ثم أصبحت أسير على حافة الجسر وأنا أشغل تفكيري في أمر من الأمور المهمة في رحلتي.. ثم مشيت بهدوء.. ثم توقفت .. ثم قضيت فوق الجسر بعض الوقت.. وانتهت الفوبيا نهائيَّاً.. وأصبح المشي فوق الجسر عندي لا يختلف مطلقاً عن السير على الأرض بخطا واثقةٍ دونَ أنْ أشعرَ برعشةٍ في قلبي. في نهايةِ المطاف يستطيع الإنسانُ أن يشفى نفسه بنفسه من المخاوفِ إذا واجهها بعقلانيَّةِ

 

يبقى الانقسام بيننا فوبيا ولكنها تنتظرنا أَن ننتصرَ عليها.. ولدينا بالتأكيدِ وصفةٌ فعَّالةٌ لاجتيازه.. قليل من (انكار) الذات.. والمزيد من (إبصار) الآخر.. ورغبة صادقةٌ من صميم القلب بالشفاء من حمى (كونداليزا) بعد أن نتحسسَ ثوابتنا الوطنيَّةَ التي تعتبرُ الوحدة الوطنيَّةُ أولى أولوياتها.. فشعبنا مسكينٌ مهما تعاظمتْ قوَّتنا تبق  قاصرةً عن مواجهةِ عدوٍّ بهذا (النفير) وهذا الاستكبار.. فما بالكم ونحنُ نتشرذمُ بإرادتنا، ونهزمُ أنفسنا بأنفسنا.. أو على الأقلِّ نصرفُ جُلَّ قدراتنا في (الردحِ) وجلدِ الذاتِ من خلال جلدِ الآخرِ.

 

لماذا لا نخلع الرقعة السوداء عن عيوننا.. ونقترب أكثر من البقع البنية التي تغطي وجوه أخوتنا.. أو نمشي باعتدال وسط (الجسر) ونصمُّ آذاننا عن كل الناعقين بما لا يسمعون، الذين هم (مفاتيح) الشر و (مغاليق) الخير. ما أجمل هذا الشعب الذي عانى ولازال يعاني لا من أجلِ ذنبٍ اقترفهُ.. هو بلا شك يستحق منا الأفضل على كلِّ الصعد نصونُ دماءَ أبنائه، ورفاهيَّتهم ومستقبلهم.. الأمر ليس في سجلِّ المستحيلات.. أو ضرباً من الخيالِ.

 

كلنا يزعم معرفةً في السياسة.. وتضج الساحة كلَّ يوم بكومة من المحللين السياسيين.. و(نتجشَّأ) ترفاً الحديث عن خطة كونداليزا حول الفوضى الخلَّاقةِ، وتقسيم المقسَّم وتجزيئ المجزَّأ.. ونتحدث بالتفصيل عن خارطة الدم .. ورالف بيترز.. والخ.

ألا تستحقُّ فلسطينُ الأفضلَ وأولُ الأفضلِ إنسانٌ جميل ..وقيادة رشيدة؟!.

التعليقات : 0

إضافة تعليق