الاحتلال يواصل ابتزازهم

مرضى غزة.. حياة معلقة على بوابة "إيرز"

مرضى غزة.. حياة معلقة على بوابة
محليات

غزة/ دعاء الحطاب:

بخطوات مثقلة بالألم وطول الانتظار، تحمل الستينية أم رشدي مرضها الخطير وتطوف به بين وزارتي الصحة والشؤون المدنية في قطاع غزة، على أمل أن تجد سبيلاً يخفف آلامها، ويحول بينها وبين الموت، بعد منعها من السفر للعلاج بمستشفيات الضفة الغربية والداخل المحتل. أم رشدي التي عجزت للمرة الرابعة على التوالي عن السفر عبر معبر بيت حنون شمال القطاع للعلاج من مرض السرطان، بسبب رفض سلطات الاحتلال الاسرائيلي لها بحجة « الفحص الامني»، ليست الوحيدة فهناك آلاف المرضى يعيشون ذات المأساة بسبب قرارات المنع الإسرائيلية التي تبدد أحلامهم بالشفاء وتهدد حياتهم بالموت.

 

ويمنع الاحتلال الاسرائيلي الكثير من مرضى القطاع بمختلف أعمارهم، من السفر عبر معبر "إيرز"، والوصول لمستشفيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة دون إبداء مبررات واضحة، في محاولة لابتزازهم وتعميق أوجاعهم، الأمر الذي يعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الانسان بحسب اتفاقية جنيف الرابعة التي توجب السماح للمرضى بالوصول إلى المستشفيات.

 

ذل وقهر

 

وتقول أم رشدي لـ"الاستقلال": "شعرت بالذل والقهر منذ إصابتي بمرض السرطان قبل ثلاث سنوات، بسبب عدم توفر العلاج الكيماوي في القطاع، ومنعي المستمر من السفر إلى مستشفيات القدس لتلقي العلاج".

 

وأضافت أم رشدي: "بعد أكثر من عام تمكنت من الحصول على تحويلة حينها شعرت بسعادة لا يمكن وصفها وبقيت أنتظر موعد السفر بفارغ الصبر، لكن ما توقعت أن ذلك اليوم سيكون بداية معاناة أكبر، فالمخابرات الإسرائيلية طلبت مني اجراء مقابلة على حاجز ايرز، ثم ارجعوني بدون أي سبب".

 

وتابعت "حياتنا صارت معلقة على معبر ايرز، وأقصى ما نتمناه الحصول على تصريح للعلاج"، مطالبة وزارة الصحة ببناء مستشفى بغزة بتخصصات متعددة وإمكانيات عالية لتجنيب المرضي معاناة السفر لتلقي العلاج في الخارج.

 

شريان الحياة

 

وعلى سريرٍ صغير بمستشفى عبد العزيز الرنتيسي بغزة، ترقد الطفلة رودينا أبو خريس (5 أعوام) محاطة بالأجهزة الطبية الموصولة بجسدها النحيل الذي أنهكه المرض دون حراك الا بمساعدة ذويها، فهي لا تكاد تشعر بأنها تتنفس سوى من خلال جهاز التنفس الذي يبقيها على قيد الحياة، في وقت يهددها الموت في أي لحظة نظراً لمماطلة الاحتلال بالموافقة على سفرها لإحدى مستشفيات الداخل المحتل.

 

وقُدر للطفلة رودينا أن تُولد بقلبٍ مشوه يحتاج سلسلة عمليات جراحية لا يمكن إجراؤها في مستشفيات قطاع غزة، انتقلت على إثره لمستشفى تل هاشومير داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وأجريت لها عملية شريان الحياة "وصل شريان من القلب إلى الرئة". 

 

" انتهت رحلة علاجها هناك وعادت إلى القطاع في ظروف صحية أفضل، لكن الفرحة لم تدم طويلاً، فبعد عام ساءت حالتها وأُجريت لها عملية قلب مفتوح، لكنها أصبحت تعاني من نقص الأوكسجين بأغلب الاوقات وهو ما وصفه الأطباء بـ "انتكاسة"، وشددوا على ضرورة المراجعة الدورية للمستشفى واجراء عمليات جراحية أخرى" وفق ما قاله جدها محمد أبو خريس.

 

ويروي أبو خريس لـ" الاستقلال":" رجعنا على غزة وكانت رودينا بصحة جيدة، وفي بداية حرب 2014 كان عنا موعد مراجعة في المستشفى، لكن الاحتلال رفضنا بحجة أن المصابين والجرحى أولى واستمر الرفض حتى اليوم ".

 

ويتابع:" بعد الرفض بدأت حالتها تسوء أكثر مما اضطرنا لإعادتها لمستشفي الرنتيسي لتتلقى العلاج اللازم ووضعها تحت المراقبة، حتى اكتشف الاطباء أنها تعاني من قصور في الغدة الدرقية مما أثر على نموها حتى باتت لا تستطيع الحركة ولا الكلام".

 

وأردف، أن معاناتهم اشتدت حينما قرر الاطباء ضرورة تحويلها لمستشفى تل هاشومير مرة أخرى لأجراء عمليات جراحية سريعة لتفاقم حالتها سوءاً، لكن الاحتلال رفض سفرها لأكثر من 30 مرة منذ عام 2014، تحت ذريعة المنع الامني.

 

"بنتنا الوحيدة تصارع الموت قدامنا ومش طلع بأيدنا نعمل اشي"، هكذا اختتم أبو خريس حديثه، مناشداً الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ووزير  الصحة بضرورة التحرك الجدي لإنقاذ حياة الطفلة وعرضها على أطباء للقلب في الخارج لمتابعة حالتها غير المستقرة.

 

ابتزاز المرضى

 

من جهته، أكد مدير مستشفى الرنتيسي محمد أبو سلمية، أن الاحتلال يحرم أعداداً كبيرة من مرضى القطاع من تلقي العلاج في مستشفيات الداخل المحتل والضفة الغربية والقدس، خاصة مرضى السرطان والقلب والأورام، بحجة أن طلباتهم " تحت الفحص". 

 

وأوضح أبو سلمية لـ"الاستقلال"، أن الاحتلال يمارس سياسة الابتزاز لبعض المرضى، عبر إخضاعهم لمقابلة مخابراته والتي تستمر لأكثر من 3ساعات، ومن ثم إعادتهم لغزة، منوهاً إلى أن خطورة الفحص الأمني بإمكانية تمديدها لعدة شهور.

 

ووصف أوضاع المرضي في القطاع بـ "المأساوية" نظراً لمنع الاحتلال سفرهم، في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، مما يهدد حياة الكثيرين منهم، محذراً  من استمرار سياسة المنع ضد المرضى، كونها تنذر بزيادة أعداد الوفيات في القطاع، مبيناً أن مستشفى الرنتيسي تُخرج ما يقارب 400 تحويلة للعلاج بالخارج شهرياً ويتم رفض طلب 250 منهم، في حين توفى ما يقارب 30 مريضاً خلال الأشهر الماضية أثناء انتظارهم تحت الفحص.

 

ولفت إلى أنهم تواصلوا مع منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الاحمر ومؤسسات حقوق الانسان لإنقاذ هؤلاء المرضى، لكن لم يتلقوا أي إجابة حتى اللحظة، مطالباً وزارة الصحة في رام الله بضرورة توفير الأدوية للقطاع، والسلطات المصرية بفتح معبر رفح الذي يمثل شريان الحياة لمرضى القطاع. 

 

انتهاك واضح

 

وبدوره، بين صلاح عبد العاطي، مدير مكتب الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، أن الإجراءات غير القانونية التي تتخذها قوات الاحتلال بحق المرضى كالرفض الامني، تأتي في اطار العقوبات الجماعية المفروضة على أهالي القطاع، والتي تزداد تعقيداً في ظل غياب الكفيل أو الضامن لرفع الحصار وإنقاذ الأوضاع الإنسانية في غزة.

 

وشدد عبد العاطي لـ"الاستقلال"، أن الرفض والفحص الأمني لطلبات المرضى الذين بحاجة للعلاج بالخارج، وكذلك إخضاعهم لمقابلة المخابرات وتعبئة استبانة "الـ17 سؤال" لتجاوز حاجز إيرز، جميعها  ذرائع وحجج واهية لا مبرر لها وغير قانونية، لكنها شريعة الغابة وشريعة القوة تستهدف تعميق آلام المرضى وابتزازهم واستفزازهم، لافتاً إلى أن أكثر من 56% من الحالات المرضية مُنعت من السفر لتلقي العلاج، حسب تقارير حقوقية.

 

واعتبر تلك الإجراءات انتهاكاً واضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم سلطات الاحتلال بتقديم العلاج والرعاية الطبية للمرضى، وانتهاكاً لمعايير حقوق الإنسان والقانون الدولي الذي يوجب تأمين الوصول للرعاية الصحية بشكل فعّال للمرضى. 

 

ونوه إلى ضرورة تدخل المنظمات الدولية والصليب الاحمر ومنظمة الصحة العالمية، للضغط على الاحتلال وفق القانون الدول والقانون الدولي الانساني لضمان تمكين المرضى من الوصول الى المشافي وأخذ حقهم في العلاج ، وأيضاً محاسبة الاحتلال على هذه الجرائم التي يقوم بها بحق المرضى.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق