المقاومة بالدراما.. "شارة نصر جلبوع" نموذجاً.. د. وليد القططي

المقاومة بالدراما..
أقلام وآراء

كتب د. وليد القططي

أحدثت هزيمتا النكبتين زلزالاً أصاب الأمة العربية بالصدمة النفسية والذهول العقلي، ما أفقدها ثقتها بنفسها وإيمانها بذاتها، فأبعد عنها الأمل في تجاوز الهزيمة وتحرير الأرض واستعادة الكرامة، واختل اتزان الوعي العربي حيال الهزيمة بين مُستسلم لها أصابه الوهن والعجز، ومُنكر لها أصابه البله والحمق، وكلتاهما طريقتان لديمومة الهزيمة واستمرارية الخيبة. وبين هذا وذاك برز رأي وسطي في الأمة رأى أنَّ النجاة تكمن في الاعتراف بالهزيمة من دون استسلام أو إنكار تمهيداً لتجاوز الهزيمة بالمقاومة.

 

وكانت المقاومة بالفن خير من جسّد هذا الطريق، وأدّت الأغنية والدراما هذه المهمة بنجاح، فغنّى عبد الحليم حافظ قصيدة "عدّي النهار" للشاعر عبد الرحمن الأبنودي، وغنّى سيد مكاوي أغنية "ازرع كل الأرض مقاومة" للشاعر فؤاد حداد، ورافقت أغاني الثورة الفلسطينية رصاص الثوار وقنابل الفدائيين في كل ميادين النضال، داعية إلى الصمود ومحرّضة على المقاومة ومبُشّرة بالتحرير والعودة، ومنها: "أنا صامد"، و"يا فدائي خلي رصاصك صايب"، و"أنا آتٍ يا وطني"... وكانت المقاومة بالدراما حاضرة بعد النكبتين، ولا سيما بعد النكبة الثانية في هزيمة حزيران 1967م.

 

وفي إطار المقاومة بالدراما، يجسّد فيلم "أغنية على الممر"، الذي كتبه علي سالم كمسرحية مستوحاة من حدث حقيقي في حرب حزيران، وأخرجه علي عبد الخالق فيلماً سينمائياً يجسد طريق الاعتراف بالهزيمة ومحاولة تجاوزها، ويؤكد وجود بطولات مُشرقة، رغم غروب شمس الأمة ووجود قصص مضيئة، ورغم ليل الهزيمة المُظلم، والأهم وجود إمكانية لعبور جسر الهزيمة نحو بر النصر.

 

المقاومة بالدراما نهج فني يتجاوز مفهوم تصوير المقاومة بالدراما إلى تحويل الدراما مقاومة ضد الاحتلال والظلم، ويتخطّى هدف توثيق أحداث الصراع المأساوية والبطولة إلى المشاركة بالمقاومة تحريضاً على الثورة والكفاح وتمسكاً بالحقوق والأهداف، ويتعدّى مجرد نقل الرواية الفلسطينية في حالات الضعف والقوة إلى معالجة أسباب الهزيمة وبعث التفاؤل والأمل بالنصر والتحرير والعودة...

 

وقد برزت المقاومة الفلسطينية في غزة بالدراما الفلسطينية في السنوات الأخيرة، رغم الحصار وضعف الإمكانيات، ومنها مسلسلات "الفدائي" و"بوابة السماء"، و"ميلاد الفجر"، و"قبضة الأحرار"، وآخرها "شارة نصر جلبوع".

 

مسلسل "شارة نصر جلبوع" نموذج فلسطيني للمقاومة بالدراما يُعيد تدوير المقاومة، فينقلها من الواقع إلى الدراما، من خلال محاكاة عملية "نفق الحرية"، التي هرب فيها 6 أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي المُحصّن، فصوّرت الدراما مأساتهم وبطولتهم كرمزٍ لانتصار الحياة على الموت وعلو الحرية على القيد، وتقدّم الأمل على اليأس، وغلبة الإرادة على العجز، وصوّرت خيارهم إمّا انتزاع حريتهم خارج سجن المكان أحراراً طُلقاء، وإما خارج سجن الجسد أحراراً شُهداء، فنقلت إلى الناس قضية الأسرى الفلسطينيين كقضية وطنية توحّد الشعب الفلسطيني وتحثه على المقاومة والثورة لتحرير فلسطين.

 

المسلسل أبدعته بيئة المقاومة الفلسطينية في غزة بنجاح، رغم عدم توفّر مقومات صناعة الدراما التي تحتاج إلى تمويل كبير وإمكانيات ضخمة، وبُنية فنية وبشرية محترفة. لذلك، إن مقارنته فنياً مع الأعمال الدرامية العربية المُحترفة غير عادلة، وهذا ينطبق على كل الأعمال الدرامية الفلسطينية في غزة، التي كانت حاضرة بقوة كأعمال تركت أثرها وبصماتها لدى جمهور المشاهدين على مستوى الوطن العربي والإسلامي.

 

وفي هذا الإطار، يُمكن الإضاءة على بعض جوانب المسلسل، فاسم المسلسل ورسالته، كما أوضح الأستاذ زكريا أبو غالي أحد كاتبي المسلسل، يحملان حتمية النصر، ويقول: "ما حدث في جلبوع هو شارة نصر للأسرى ولكل فلسطين. إنه النصر القادم لا محالة".

 

من الأهداف أيضاً مواجهة دراما تشويه النضال الوطني ودراما التطبيع العربية، ونقل الرواية الفلسطينية إلى صراع الأسرى مع السجّان في بُعديها المأساوي والبطولي. وشرح تلك الرسالة الفنان علي نسمان، بطل المسلسل الأول، بقوله: "من المهم تحويل محطات نضالية فلسطينية إلى أعمال فنية درامية تواجه مخططات الغزو الفكري الإسرائيلي، وتشويه التاريخ وصورة النضال الوطني... لا يمكن اختزال العمل البطولي لهؤلاء الأسرى الستة بكلمتين: هروب واعتقال".

 

جانب آخر للمسلسل هو الحبكة والحل، فالمسلسل يحتوي على كل عناصر الحبكة الضرورية لجذب المشاهدين من خط تطور القصة إلى حدث الهروب من السجن، فكل أحداث المسلسل تسير بطريقة تصاعدية لتخدم القصة وحبكتها ورسالتها، وكل الأحداث عقب الهروب تقود إلى إعادة اعتقال الأسرى الستة، كما حدث في الواقع الفعلي بطريقة مشوّقة ومُثيرة من دون تضخيم أو تهوين.

 

أيضاً، فيها توثيق للتاريخ مستمد من روايات الأبطال الأصليين للدراما وشهادات الآخرين ومصادر إعلامية. وبما أنَّ الحل والنهاية الحقيقية مأساوية ومُحزنة، فقد لجأ المؤلفان إلى الخيال لصناعة نهاية سعيدة، ولكنه خيال لم يأتِ من فراغ مُطلق، بل من تجارب تاريخية واقعية حدثت سابقاً، ويُمكن أنْ تحدث لاحقاً، وهي تبادل الأسرى بين المقاومة والعدو، وهذا ينسجم مع النهايات السعيدة للأعمال الدرامية التي يُفضلها جمهور المشاهدين، وينسجم مع العقل الباطني الجمعي الفلسطيني المتعطش لإطلاق سراح الأسرى، كما ينسجم مع نهج المقاومة بالفن أو المقاومة بالدراما، الذي يُحيي الأمل في الخلاص والنصر والتحرير عبر المقاومة.

 

من نماذج النهاية السعيدة أو المبشرة في الدراما المصرية مسلسل "جمهورية زفتى"، الذي يروي قصة مركز زفتى في محافظة الغربية عندما شاركت في ثورة 1919م، وأعلنت استقلالها عن الاحتلال الإنكليزي، فرغم النهاية المأساوية باقتحام "جيش" الاحتلال للمركز وقمع الثورة، كما قُمعت في كل مصر، فإنَّ المشهد الأخير يصوّر طيف بطل القرية الشهيد، حين يظهر لقائد الثورة ليدله على طريق الخلاص والتحرير بالسير خلفه واتباع نهجه المقاوم.

 

ومن نماذج النهاية التي تُحيي الأمل في النفوس في الدراما السورية مسلسل "التغريبة الفلسطينية" الذي يروي قصة النكبة الفلسطينية عام 1948م، بنهايتها المأساوية الحزينة. ورغم ذلك، فالمشهد الأخير يصوّر أحد أبطال المسلسل وضحايا النكبة يُخرج بندقية والده الشهيد من مخبئها ليواصل طريق المقاومة لتحرير فلسطين.

 

مسلسل "شارة نصر جلبوع" كنموذج للمقاومة بالدراما هو استمرار "الدق على جدار الخزان"، كما طالب الأديب الشهيد غسان كنفاني في روايته "لماذا لم تدقوا جدار الخزان؟"، و"استمرار الدق على الجدار والحجر"، كما طالب الشاعر الثائر عبد الرحمن الأبنودي: "يا قبضتي دقي على الجدار لحد ليلنا ما يتولد له نهار... يا قبضتي دقي على الحجر... لحد ما يصحى جميع البشر".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق