في ذكرى النكبة ومعركة سيف القدس: يافا ليست للبيع

في ذكرى النكبة ومعركة سيف القدس: يافا ليست للبيع
أقلام وآراء
بقلم/ أ. محمد حميد

إن قيام دولة الاحتلال على أنقاض دولة فلسطين لم يكن إلا نتاج تزاوج الضلال والوحشية، الضلال الذي مارسته الصهيونية لأجل اختلاق رابط تاريخي وديني لأرض فلسطين، وخرقوا لذلك تُرّهاتٍ ومحارق مهولةٍ ليبثوا ضلالهم، ووحشية رافقت استخدام القوة في قتل الشعب الفلسطيني وإبادته وتهجيره قسرياً والاستيلاء على أراضيه وممتلكاته، فلم يكن من هذا الزواج إلا أن يلد الوجه القبيح للاستعمار الحديث وآلة الحرب التي لا ترقب في مؤمنٍ إلاً ولا ذمة.

 

حيث تشير الإحصاءات التاريخية أن تعداد المواطنين الفلسطينيين المقيمين داخل فلسطين التاريخية قبل نكبة عام 1948 قد بلغ 160 ألف نسمة انتهى بمعظمهم المطاف في مخيمات اللجوء في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وانتقل جزءٌ منهم إلى خارج فلسطين في سوريا ولبنان والأردن وذلك في أعقاب هزيمة الجيوش العربية وارتكاب العصابات الصهيونية مجازر مروعة بحق المدنيين، في حين بقي عدد منهم داخل فلسطين المحتلة، وقد انتقل هؤلاء الفلسطينيون ضمن هجراتٍ داخلية  خلال عام 1948م إلى المناطق والتجمعات الفلسطينية في مناطق النقب الجنوبي ومدن حيفا ويافا بحثاً عن الاحتماء مع الكل الفلسطيني من بطش وبشاعة آلة الحرب الصهيونية.

 

وبعد نشوء دولة الاحتلال والبهتان واعتراف الأمم المتحدة بها ومباركة الدول الكبرى لجريمة قيامها على أنقاض الإنسانية أصدرت هذه الدولة قانوناً استعمارياً ظالماً والذي سُمّي "ٌقانون أملاك الغائبين" والذي قننت فيه الممارسات الاستعمارية والاستيطانية لغرباء الديار وأضفت الشرعية على جرائم الاستيلاء على الأراضي والمنازل في فلسطين المحتلة بعد اعتبارها أملاكاً للغائبين، وامتد سلطان السلب إلى بعض المصانع والمنشآت التجارية الفلسطينية كشركات تصدير الحمضيات وشركات صناعة التبغ، لتضع دولة الاحتلال يدها عليها وتستفيد من العائد المادي الناتج عن تشغيلها.

 

وامتدادا لهذه السياسات الاستيطانية، تتعرض مدينة يافا في السنوات الأخيرة إلى حملة شرسة للاستيلاء على بيوت المواطنين الفلسطينيين هناك من قبل شركة "عميدار الصهيونية" التابعة لدائرة الأراضي الصهيونية بادعاء ملكية الأخيرة لها وفق سياسة تهجير صامت للمواطنين الفلسطينيين القاطنين في مدينة يافا، فبدأت تلك الشركة بطرح مزادات علنية لترسية ملكية بيوت الفلسطينيين على المتقدمين بالشراء وبيعها بأعلى الأثمان، لإجهاض أي محاولة فلسطينية لتملك تلك البيوت، حتى أضحى الوجود الفلسطيني مقتصراً على حي العجمي، إذ رحل مئات المواطنين الفلسطينيين إليه من الأحياء القديمة الأخرى مثل حي المنشية الساحلي الذي لم يبق منه سوى مسجد حسن بيك الذي قدر لكاتب هذه السطور زيارته وحي النزهة بعد تعرضهما لضغوط استيطانية كبيرة.

 

 

لم يصمت سكان يافا أمام هذه الإجراءات التعسفية، بل نظموا عدداً من الإجراءات الاحتجاجية من مسيرات جماهيرية ووقفات احتجاجية بل وحتى معارك قانونية لإلغاء قانون أملاك الغائبين الذي وفر الأرضية لبيع ممتلكاتهم، وقد كان شعارهم دائماً "يافا ليست للبيع"، يافا عروس البحر الأبيض المتوسط الميناء التاريخي الذي كان ذا دورٍ بارزٍ وعريق على مستوى العالم العربي والإسلامي من حيث حركة التبادل التجاري، عدا عن دوره كنقطة تواصل بين الشرق الإسلامي وقارة أوروبا، يافا الامتداد التاريخي الفلسطيني العميق وأحد منارات العلم والتعليم والثقافة الفلسطينية ليست للبيع لحفنةٍ من المستعمرين الغاصبين، بل فلسطين كلها ليست للبيع.

 

وقد تعرض المواطنون الفلسطينيون في مدينة يافا خلال معركة سيف القدس عام 2021م كغيرهم من المواطنين الفلسطينيين في فلسطين المحتلة إلى حملات همجية من قطعان المستوطنين والتي طالت أرواحهم وممتلكاتهم وهم الذين انتفضوا نصرةً للقدس وللمسجد الأقصى ولأهالي حي الشيخ جراح، كما دعت مجموعات صهيونية متطرفة إلى مهاجمة المحلات التجارية العربية داخل المدينة وهو ما أفضى إلى إغلاق جزءٍ كبيرٍ منها خلال فترة المعركة وما بعدها في ظل غطاءٍ صهيوني إرهابي من قبل دولة الاحتلال على هذه الممارسات الهمجية.

 

ولم يكن ذلك مستبعداً من دولة تعاني مشكلةً حقيقية مع التاريخ ومع الجذور، دولة الضلال التي يؤرّقها تمسك المقدسيين ببيوتهم ويزعجها الوجود الفلسطيني في أرض يافا وغيرها من أراضي فلسطين التاريخية، فهي التي تريد طمس الهوية الفلسطينية في الأحياء العربية الفلسطينية وفي المواقع الدينية مثل المساجد والأوقاف والتي تشهد جميعها بأحقية شعب فلسطين بأرضه وهوائه وزيتونه، ففلسطين أرض خالصة للفلسطينيين ولا تتسع للغرباء المعتدين.

 

ننتظر نحن وأبناؤنا وأحفادنا يوم عودتنا المحتم مها طال الزمن ومهما امتلك العدو من إمكانيات عسكرية وتكنولوجية أو مالية تفوق إمكانيات ومقدرات الشعب الفلسطيني، حق العودة الذي يدنو شيئاً فشيئاً رغم تلفح دولة الاحتلال بموازين القوى الدولية الضالة والمنحازة، فمضى أكثر من سبعين عاماً على غربتنا عن أرضنا، ولا تزال أعيننا المجردة مبصرةً لها، لقد اقترب هذا اليوم المبارك الذي نعود به إليها كثيراً، يرونه بعيداً ونراه قريباً، ولله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله.

التعليقات : 0

إضافة تعليق