الرد على الاغتيالات والجرائم: توسيع وتكثيف المقاومة.. راغدة عسيران

الرد على الاغتيالات والجرائم: توسيع وتكثيف المقاومة.. راغدة عسيران
أقلام وآراء

بقلم: راغدة عسيران

في صباح يوم الأربعاء 11 أيار 2022، اغتالت القوات الصهيونية الصحفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة أمام مخيم جنين، بالضفة الغربية المحتلة، التي كانت قد وصلت اليه مع صحفيين آخرين لتغطية اقتحامه من قبل جيش العدو الصهيوني. لقد تم توثيق عملية الاغتيال بالصوت والصورة، كما أدلى الصحفيون المتواجدون بقربها، ومنهم من تمَّ استهدافه أيضا وقنصه، شهاداتهم التي لا يمكن إغفالها. وأثبت تشريح جثمان الشهيدة في جامعة النجاح في نابلس، بعد ساعات من استشهادها، أن الرصاصة القاتلة صدرت عن صهيوني حاقد ومجرم. هذه المعطيات الميدانية كافية لإدانة، مرة أخرى، الكيان الصهيوني بالقتل المتعمد للفلسطينيين والصحفيين.

 

لكن أراد الكيان التملص من المسؤولية، كعادته، وبث عدة روايات وطالب بتحقيق "مشترك" مع السلطة الفلسطينية التي رفضت، لأن الجريمة واضحة. وتوالت الطلبات الدولية، من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وهيئات دولية تطالب المشاركة في التحقيق، أو بفتح تحقيق "شفاف" و"حيادي"، كما كتب أحد الصهاينة في هآرتس. لكن التحقيق عن ماذا؟ ولماذا؟ وما هو البديل عن التحقيقات؟

 

تختلف المطالبة بالتحقيق في الجريمة المهولة التي ارتكبها جيش العدو عما تطلبه المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والعربية، التي تطالب بالمساءلة بعد توثيق الجريمة وجمع معطياتها لتقديمها لمحكمة الجنايات الدولية ولسائر الأطر الحقوقية في العالم، كدليل إضافي على الطابع الإجرامي للكيان الاستيطاني الإرهابي. توثيق الجريمة يعني أيضا ربطها باغتيال الصحفيين والمقاومين والمدنيين وبالغارات التي يشنها المستوطنون وقواتهم المسلحة على الفلسطينيين، في كل مكان تواجدهم، خاصة بعد صعود الفاشية الشعبية الى السلطة في المؤسسة الصهيونية، إذ لا يمكن فصل الجريمة والجرائم المتتالية عن طبيعة الكيان.

 

ولكن التحقيق مختلف، لأنه لا ينطلق من الحقيقة الموثقة، بل من فرضيات يضعها أمامه، لبث الشك حول ما جرى، ويبحث في متاهات الأمور، كما كتب المدير السابق في المؤسسة العربية لحقوق الانسان، الاستاذ محمد زيدان، الذي يطالب بمغادرة "الدائرة التي يرغب الاحتلال حشرنا بها عبر تغيير روايته للأحداث بشكل متواصل، الذي يزرع من خلالها الشعور الواهم بالإنجاز".

 

لا شك بأن جريمة اغتيال الصحفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة تستحق الوقوف أمامها، لا سيما وأنها تواصلت في مدينة القدس خلال التشييع والصلاة على جثمانها، حيث هاجمت شرطة العدو موكب التشييع بطريقة استفزت العالم بأسره، إلا من ظلّ يدعم الكيان الإرهابي ويبحث عن مسوّغات لجرائمه. لكن يجب التأكيد على عدة أمور لوضع هذه الجريمة في إطارها.

 

أولا، جريمة اغتيال الصحفيين ليست جديدة، فقتل العدو حوالي 48 صحفيا فلسطينيا منذ انتفاضة الأقصى (2000)، إضافة الى أن العدو يلاحق ويعتقل الإعلاميين ويصادر معداتهم ويمنعهم من العمل بحرية، خاصة عندما يقوم بعملية إرهابية كالتي كان يحضّر لها في مخيم جنين في يوم 11/5/2022. يريد كيان المستوطنين تنفيذ جرائمه دون شهود كي لا يتم مساءلته فيما بعد، ويظل الشك سيّد الموقف، كما هو الحال الآن بالنسبة لاغتيال الشهيد المجاهد داوود الزبيدي، الذي استشهد وهو بين أيادي الصهاينة. هل قُتل بدم بارد وهو مستلقي على سريره في مستشفى كابلان، أم أنها استشهد من جراء إصابته وهو يدافع عن مخيم جنين، وقد تم نقله الى المستشفى "الإسرائيلي" بسبب خطورة إصابته؟

 

ثانيا، القتل المتعمد الذي تنفذه الأجهزة الصهيونية بحق الفلسطينيين والعرب وغيرهم، الذين يزعجون أداءه، بالكلمة أو بالسلاح، جزء من وظيفة الكيان الاستعماري الإحلالي في فلسطين. فهو يقتل الأسرى في سجونه بطرق مختلفة، إما بمنع علاجهم أم بتعذيبهم حتى الموت أم باطلاق الرصاص عليهم بحجج مختلفة، أم بابتزاهم حين يخوضون الإضراب عن الطعام، كما هو اليوم حال الأسير البطل خليل عواودة الذي دخل مرحلة الخطر الشديد بعد 75 يوما من معركة الأمعاء الخاوية، مطالبا بحريته، كونه معتقلا إداريا.

 

الى جانب القتل المتعمد، ينفذ الصهاينة المحتلين لأرض فلسطين يوميا العديد من الجرائم، ومنها الإستيلاء على الأرض وتدنيس المقدسات وبث الكراهية العنصرية في وسائل إعلامهم، وتزوير التاريخ لإلغاء تاريخ الشعب الفلسطيي العريق.

 

رغم هذه الجرائم المتواصلة، لم تتحرك المؤسسات الحقوقية الدولية التي تصلها الأخبار والوثائق المختلفة للدفاع عن الضحية، وإن اتخذت يوما مبادرة اتهام الاحتلال ببعض الجرائم، كممارسة سياسة الفصل العنصري مثلا، يشنّ الإعلام الغربي التابع للصهاينة وللاستكبار العالمي حملة شعواء عليها، مدافعا عن العدو وجرائمه ومتهما إياها بالانحياز الى "الإرهاب" وبـ"معاداة السامية".

 

تتساءل الجمعيات الفلسطينية المدافعة عن الأسرى، كلما يخوض أسير أو أكثر معركة الأمعاء الخاوية، عن مواقف هذه المؤسسات حيال وضع الأسرى في سجون العدو، وتناشدها يوميا لإصدار موقف أو اتخاذ مبادرة عملية لوقف النزيف المستمر الذي يعاني منه الأسرى، ولكن.. بعد عقود من الزمن، تتضح الصورة بأن المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية الحقوقية وغيرها غير معنية بحقوق الشعب الفلسطيني، لأنها تنطلق أساسا من شرعية الوجود الصهيوني وتشرعن بالتالي ممارساته الإجرامية تحت بنود مختلفة، كما يراها الكيان، أي أمنه و"حقه في أرض الأجداد"، وبسط الأمن في "المناطق" و"محاربة الإرهاب". وعندما تنطلق من هذه التبريرات الصهيونية، أو تأخذها بعين الاعتبار لإداناتها اللفظية، تبقى عديمة الجدوى ولا يمكن الاعتماد عليها.

 

فلذلك، الرد الناجح على الاغتيالات وجرائم العدو هو الالتفاف حول المقاومة، وتوحيد صفوف الجماهير في كل فلسطين والشتات، والتفاف الجماهير العربية وشعوب العالم الحرة، حول المقاومة، مهما كانت أدواتها، ومنفذيها ومناطق انطلاقها.

 

وكما صرّح الأسير المحرّر القيادي خضر عدنان، بعد اغتيال الشهيدة شيرين أبو عقلة، الرد على الجريمة هو أيضا بتفعيل الإعلام المقاوم، الذي يروي ويتابع العمليات الفدائية والدفاع عن المخيمات، كما هو الحال اليوم مع كتيبة جنين التي تسطّر كل يوم أروع مشاهد العزة، والتي تمكّنت من قتل ضابط صهيوني مجرم، شارك في اغتيال العديد من المقاومين، في نابلس وعرابة، وكما هو الحال مع الأسير المجاهد محمود الدبعي الذي رفض الاستسلام لجيش العدو وواصل مقاومته لمدة أربع ساعات قبل أن تنفذ ذخيرته، والذي اعتقلته قوات الاحتلال. قد يواجه التعذيب الوحشي بعد التصريحات الصادرة عن جيش العدو بأنه سيحاول التحقيق معه حول "كتيبة جنين"، كونه أحد قيادييها.

 

هذه البطولات التي يسطّرها اليوم المجاهدون في منطقة جنين، من ناحية العمليات التي ينفذونها في الداخل المحتل أو من ناحية منع العدو من استباحة المدن والبلدات وتوقيف المطلوبين وتدمير منازل المجاهدين، تؤثر ايجابيا على معنويات الناس، وتمنحها القوة والعزيمة لاستعادة المبادرة وضرب العدو أينما وجد، في كافة أنحاء الضفة الغربية، أو في القدس والمناطق المحتلة عام 1948، وتشكّل نموذجا ناجحا للمقاومة الصاعدة، بسبب الوحدة الميدانية بين المجاهدين والالتفاف الجماهيري حولها.

 

وعلى الإعلام المقاوم إظهار هذا الالتفاف، كما كان قبل أيام في مخيم نور شمس في طولكرم، حيث تم تكريم شهداء مفترق عرابة وعوائلهم. التركيز الإعلامي على المقاومة والالتفاف الشعبي حولها في فلسطين والشتات يكذّب بالصوت والصورة رواية المحتل بأن المقاومة عبارة عن مجموعات قليلة مرتهنة للخارج، وأن الشعب الفلسطيني يطمح الى السكون في ظل الاحتلال، بسبب الفقر والأحوال الاقتصادية الصعبة، ويثبت بالمقابل أن لا سبيل للحرية إلا بالمقاومة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق