جنين اسبارطة العصر... ناصر اللحام

جنين اسبارطة العصر... ناصر اللحام
أقلام وآراء

ناصر اللحام

الانتساب إلى جنين مثل الانتساب الى محاربي اسبارطة، هو امتياز وليس حق تلقائي، وقد تسكن في آخر الدنيا وتحمل جنين في فؤادك وليس شرطاً أن تعيش في جنين، ويكفي أن جنين تعيش فيك لتصبح من أهل جنين. ولو أرسلوا طائرة أباتشي فوق كل شجرة، ستفوح رائحة البرتقال من جنين، حنيناً وشوقاً إلى حيفا. ولو ركع المطبّعون حتى وصلت شواربهم الى حذاء المستعمر، ستبقى جنازير الدبابات العراقية شاهدا على كل الدروب في جنين. ولو زرعوا جنديا على باب كل بيت، فان جنين حرة بإرادتها وعنفوانها، هي التي فكت قيودها وأرخت ضفائرها على قبر كل شهيد.

 

جنين الوحيدة التي تخلو من الفلتان الأمني. والفلتان الأمني منتشر في كل مكان الا في جنين، والسلاح المشبوه في كل زاوية الا في جنين، والبنادق المأجورة في كل العواصم والمدن الا في جنين، طالما سلبت الأماكن قلبي فهي اصدق من كل البشر، وليس القادة والأشخاص من يصنعون التاريخ، وانما الأماكن وأهلها.

 

من رفح المعجزة التي دوّخت كل الطغاة. الى جنين التي فتحت الطريق الى حيفا, أسماء بلدان ومدن كبيرة سقطت أمام جنين, وحين صرخت فلسطين ألما ونزفت دما، وحين دنسوا الأقصى وشرب الأعداء الخمر على سجاجيد المساجد,  لم نسمع من هؤلاء سوى الثغاء والصراخ , بينما تحفر بلدات صغيرة ومخيمات فقيرة وقرى وادعة وشوارع بلا أسماء, تحفر اسمها على جبين الزمن , شجرة واحدة في جنين استشهدت تحت ظلها شيرين أبو عاقلة تبدو أعلى بكثير من برج خليفة ومن أبراج نيويورك وماليزيا, وقبر شهيد صار يبدو أغلى من اّبار الغاز.

 

حدود جنين واضحة أعاد رسمها رعد الحازم، ومئات من الشهداء قبله وبعده: شمالا من قبر شأس الكممجي الى زنزانة أخيه ايهم الكممجي، وجنوباً من قبر داوود الزبيدي الى زنزانة أخيه زكريا الزبيدي، وغرباً من صوت محمود ومحمد عارضة الى ملامح مناضل نفيعات ويعقوب القادري، وشرقاً إلى عشاق جنين في كل انحاء العالم.

 

جنين تحررت من دون مفاوضات، تحررت بالخنادق لا بالفنادق والابتسامات المزيفة. تحررت ببأس محاربيها وليس بالرجاء والتوسل، جنين تحررت بالدم كي تحررنا من الوهم. جنين لم تنتصر عسكريا مثل الاسطول الأمريكي الخامس ولا السادس ولم تملك الطائرات والمدافع والصواريخ والغواصات النووية. ولكنها انتصرت سياسيا وفكريا وثقافيا وانسانيا وأخلاقياً.

 

لا يوجد في جنين أنهار ولا غابات ولا صحاري ولا جبال شاهقة، لا يوجد في جنين منافذ حدودية ولا تضاريس جغرافية ولا قلاع ولا خنادق، لكن فيها محاربين أقوى من محاربي اسبارطة، وفدائيين اقوى من الفيتكونغ في فيتنام، ومجالدات مجاهدات صابرات أقوى من الخنساء.

 

في جنين رجال عاهدوا الله. ولم يعاهدوا الصهاينة. وفيها شبان في مقتبل العمر لم يتلقوا تدريبات في أعظم الكليات العسكرية, بل شبان في اول العمر خلعوا النفاق ، ولبسوا اقنعة الفدائيين وصرخوا عبر كل موجات البث القصيرة والطويلة : من مخيم جنين الى ياسر عرفات : اطمئنوا . الوضع جيد.

التعليقات : 0

إضافة تعليق