أزمة وجودية وفقدان السيطرة ... راغدة عسيران

أزمة وجودية وفقدان السيطرة ... راغدة عسيران
أقلام وآراء

بقلم: راغدة عسيران

صدرت في الفترة الأخيرة عدة تصريحات لقادة الكيان الصهيوني تشير الى الأزمة الوجودية التي تسيطر على نفسية مستوطنيه، بسبب عوامل متراكمة، أهمها صعود المقاومة الفلسطينية وانجازاتها خلال السنوات الماضية، لا سيما معركة "سيف القدس" في أيار/مايو 2021 و"هبّة الكرامة" التي رافقتها، التي وحّدت الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة ضد الكيان الاستيطاني، والتي أثبتت أن الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة ترفض وجوده، وليس فقط سيطرته على المنطقة.

 

يخشى ايهود باراك، المجرم الذي تولى رئاسة الحكومة سابقا، من "العقد الثامن" في حياة الكيان، أي من شيخوخته وتصاعد الصراعات الداخلية بين المستوطنين الذين زحفوا من بلدان وقارات وحضارات مختلفة لتكوين مجتمع استيطاني يهودي. سرعان ما ظهرت في "العائلة" اليهودية الواحدة، عنصرية الرجل الأبيض الأوروبي إزاء "الآخر" العربي والإفريقي والآسيوي، ما أنتج "غيتوهات" دينية اجتماعية سياسية داخلها، تتصارع على كل شيء.

 

يتخوّف الارهابي بني غانتس، وزير الحرب الصهيوني، من تصاعد الديمغرافيا الفلسطينية في الداخل المحتل عام 1948، لا سيما في الجليل والنقب، أي المناطق المحاذية لدول عربية، بعد أكثر من 70 عاما من خطة بن غوريون لتهويد المنطقتين، بسبب موقعهما، شمالا وجنوبا، إذ يتضح أن جهود التهويد، رغم المجازر والاستيطان والتهجير الداخلي بعد التهجير الخارجي، لم تجعل هاتين المنطقتين يهودية كما حلم بها المستوطنون الصهاينة.

 

يناقشه يوسي بيلين، صاحب مشروع تسوية رافض لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، بالقول أن "المشكلة الحقيقية تكمن في خطر سيطرة أقلية يهودية على أغلبية فلسطينية بصورة مباشرة أو غير مباشرة"، خلافا  للرؤيا "الصهيونية والقيم الديمقراطية الأساسية التي تتباهى بها إسرائيل"، متناسيا أن الصهيونية بحد ذاتها هي جريمة، وأن الصهاينة الأوائل هم الذين ارتكبوا المجازر وسرقوا الأرض وهجّروا أهلها وأسسوا كيان استعماري يعيش على الحرب والرقابة الأمنية على فلسطينيي الداخل، كما جاء في كتاب البروفسور أحمد سعدي في كتابه عن "الرقابة الشاملة".

 

يعبّر مستوطنو الكيان وقادتهم، من نواب ووزراء وقادة الأجهزة الحربية والقمعية، عن الأزمة الوجودية التي يعانون منها، بالوحشية المفرطة التي تميّز بها آداءهم في الآونة الأخيرة، في شوارع القدس والمسجد الأقصى، في البلدات والمدن الفلسطينية كافة، وعلى الطرقات والحواجز وفي المقابر والسجون. وهي الوحشية الصاعدة التي ستدمّر كيانهم، رغم كل التقنيات الأمنية التي يتفاخرون بها، ورغم الأسلحة والمعدات الحربية التي يملكونها. تظهر وحشيتهم كلما تحركوا، وكأنهم وحوش متنقلة تسير كالقطيع للقضاء على ناس يحملون فقط الأعلام الفلسطينية للتأكيد على هويتهم، وتظهر فاشيتهم كلما تكلموا واقترحوا قوانين، يراد منها القتل والتهجير والتدمير.

 

تختلف اليوم صورة هذا الكيان العابر عن الصورة التي حلّت بعد اتفاقيات أوسلو، حيث كان يبدو مسالما، في الوقت الذي كان فيه يستوطن ويسرق الأرض ويقتل المقاومين المحاصرين من قبل سلطة أوسلو، التي توهّمت أنها ستقيم دولة ذات سيادة الى جانب كيان استيطاني استولى بالقوة على ما يقارب 80% من أرض فلسطين، تحت مظلة المجتمع الدولي. ساهمت اتفاقيات أوسلو والسلطة الفلسطينية المنبثقة عنها في تشويه صورة الكيان، بالتعامل معه وكأنه دولة عادية، وليس مستعمرة حلّت مكان فلسطين، وبتسويق الأوهام حول إمكانية التسوية والتفاوض مع مستوطنين حاقدين وإرهابيين يسعون الى تهويد فلسطين ومقدساتها. فحاربت هذه السلطة، وخاصة بعد 2005، كل أشكال المقاومة الفعلية والناجحة ضد الصهاينة، ولاحقت المقاومين وما زالت، رغم اثبات عقم طريقها وفشله.

 

لكن إصرار المقاومة الفلسطينية على مواصلة طريق التحرير، رغم تواطؤ أركان سلطة الحكم الذاتي مع المحتل، وانحناءهم أمام الضغوط الدولية التي تصاعدت كلما انحنوا أكثر، أنتج صورة الكيان الحقيقية التي نراها اليوم: مجموعة من المستوطنين الهمج يقتلون دون أي رادع ذاتي، لأن الرادع الخارجي غير متوفر أصلا، ومجتمع متفسخ أخلاقيا يتنافس أبناءه لإبداء كراهية وعنصرية أكبر إزاء الفلسطينيين والعرب، وأعاد التذكير الى العالم أن أساس الفكر الصهيوني قائم على القتل والتهجير والتدمير لإحلال اليهود الصهاينة مكان الشعب الفلسطيني.

 

وذلك بفضل روح المقاومة التي تسكن الفلسطينيين، الذين ثابروا وصمدوا وتصدوا لكل أشكال تهويد المكان وأسرلة العقل، بكافة أنواع السلاح، من القلم والكلمة الى البندقية والسكين والصاروخ. لذا، يعبّر الصهاينة عن فشل مشروعهم وعن فقدان السيطرة بالطريقة الوحيدة التي يعرفونها، القتل والإرهاب. ومن الأمثلة التي تدلّ على فقدانهم للسيطرة، أنهم باتوا يلاحقون الرموز وليس فقط المجاهدين، كالأعلام الفلسطينية والقمصان التي رسمت عليها بندقية الأم 16.

 

لم يعد يخاف الأطفال الفلسطينيون من "البعبع" الصهيوني رغم وحشيته واقتحاماته الليلية واعتقاله لهم وتعذيبهم في سجونه وتدمير منازلهم. قبل سنوات، صفعت الفتاة عهد التميمي جندي صهيوني جاء لاعتقال أخيها في قرية النبي صالح، ومنذ ذلك الحين، ظهرت الكثير من صور التحدي في مدينة القدس خاصة خلال انتفاضة الكرامة ومعركة سيف القدس، لأطفال لا تتجاوز أعمارهم أحيانا السبع سنوات، يمكن القراءة في عيونهم عزيمة المواجهة واستهزائهم بهذا الوحش المدجج بالسلاح، ما يؤكد على فشل تهويد المناهج التعليمية في القدس، رغم تقصير السلطة الفلسطينية في هذا المجال، التي لم توفّر البديل.

 

واليوم، تقف الطفلة ميار، ابنة الأسير محمود جرادات في السيلة الحارثية تقول للصهاينة أن الأطفال الفلسطينيين سائرون على نهج الصمود والمقاومة، وأن هدم منازلهم وحشيتهم لن تنال منهم، وأنهم يؤمنون بالنصر القريب. فهي وغيرها من الأطفال المعتقلين طليعة هذا الجيل الذي يؤرق الصهاينة ويشعرهم بفقدان السيطرة.

 

في الداخل المحتل عام 1948، يخشى الصهاينة جيل الشباب الصاعد الذي لم "يتأسرل"، بل أثبت أنه يعي مكونات الصراع تماما، ولم ينخدع بما يسميه البعض فوائد المواطنة "الإسرائيلية". فهو الجيل الذي يؤمن بوحدة الشعب والأرض والهوية، والذي قال كلمته خلال هبّة الكرامة ولم يقف متفرجا عندما شنّ المستوطنون الهجمات المسلحة عليهم وقتلوا في اللد وأم الفحم. يقول أحد ناشطي مدينة عكا، في جلسة حوارية حول انعكاسات هذه الهبة على انتمائهم: "فشلت محاولات الأسرلة عند شبابنا وأطفالنا في عكا، فالهبة ساهمت بتعزيز الوعي السياسي كذلك عند الأطفال في المدينة، الذين كانوا شاهدين على أحداث هبة الكرامة، فإن هذه الهبة يمكن تلخيصها بأنها هبة للوعي عند الشباب والأطفال خاصة". ويقول المحامي خالد زبارقة من مدينة اللد أن أهل اللد أدركوا "أكثر من أي وقت مضى أن الدولة ليست دولتنا، وبالتالي عرف أهلنا أن لا خيار لحماية أنفسهم إلا بأنفسهم".

 

وحتى السجون، حيث يمارس الصهاينة سادية المستوطن العنصري المتغطرس، لم تسلم من هزّة مدوية بعد الهروب الكبير الذي نفّذه 6 أبطال من سجن جلبوع المحصّن، في أيلول/سبتمبر الماضي. ما زالت تعيش المنظومة القمعية الخاصة بالسجون ارتدادات هذه العملية النوعية التي نفذها الأبطال دون استخدام أي سلاح ناري، أي بطريقة سلمية خالصة، بعزلهم والتضييق عليهم في زنازينهم. تدلّ تصريحاتهم المفحمة بالأمل والثبات في محكمة الناصرة، على انتصارهم رغم إعادة اعتقالهم. صورة انتصارهم وتحديهم للعدو ساهمت بشكل كبير بزعزعة ثقة العدو بنفسه، فأراد استعادة السيطرة على السجون وحياة الأسرى بمزيد من القمع والاستهتار بحياتهم، ما يدلّ على مأزقه العميق لأنه لم يعد يعرف إلا هذا الطريق، وهو طريق الهاوية.

 

ما يعني أن الصراع محتدم على كل أرض فلسطين، من النقب الى الناقورة، ومن يافا وقطاع غزة الى الأغوار، رغم أكثر من 70 عاما على النكبة وإقامة كيان يهودي صهيوني أراد التخلص من الفلسطينيين ومن حقوقهم بالأرض والوطن ومن حق عودتهم الى ديارهم. فانتشار المقاومة المسلحة، من قطاع غزة المحاصر دوليا الى منطقة جنين التي تصدّ يوميا هجمات جيش العدو، والتي تشكل اليوم نموذجا لكل البلدات والمدن الفلسطينية المحتلة، من ناحية الوعي ووحدة مجاهديها، يعني أن كيان العدو لا يملك أمامه إلا المزيد من التوحش والإرهاب، والعودة الى صورته الأصلية.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق