شمل المستوطنات في قانون المتسللين هو تشريع بضمها

شمل المستوطنات في قانون المتسللين هو تشريع بضمها
عين على العدو

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ إسماعيل مهرة

 

انفلات تغول دولة الاحتلال بكل مكوناتها لا يتوقف على أي جبهة سوى لالتقاط الأنفاس أو لتصميم خدعة أو مناورة جديدة، وفي كل يوم يزداد تجرؤهم أكثر فأكثر، فيتجاوزون ما يعرف بالأمر غير المسبوق أو ما يسمى بالخطوط الحمراء، وينتقلون إلى اختراق المزيد في عمق الخطوط الحمراء. هذا التغول التدريجي يعتبر أحد ثوابت كل الحكومات الاحتلالية على اختلافها، لكن معظم الحكومات السابقة جعلت تغولها أكثر تذاكيًا وغير مباشر مقارنة بحكومة نتنياهو، التي قفزت على جبهة الضم والاستيطان قفزة نوعية كبيرة، فأشاعت - بروح ثلة العصابة التي تقود الحكومة - أجواءً من التنافس المجنون على من يتماثل أكثر من روح الأيديولوجية الصهيونية الدينية، لا سيما بعد ان منحهم ترامب الشعور بأنهم قادرون على إملاء خطابهم على ترامب وإدارته.

 

في مؤتمر «الليكود» ترجموا هذا الشعور وجنون التنافس باحتفالية صاخبة، أقرت بتكليف قادة الحزب بالعمل على ضم الضفة ومستوطناتها ومستوطنيها إلى دولة إسرائيل دون السكان الفلسطينيين، ولم يبالوا بأن قانونهم يعتبر «سوبر عنصري»، حيث ينص على سرقة الأرض وترك الشعب الذي يسكن الأرض بدون أية حقوق أو تمثيل سياسي.

 

قانون مؤتمر حزب «الليكود» العنصري والتهويدي لم يبقَ طي الأدراج أو مجرد زوبعة للاستعراض الإعلامي، جلعاد أردان - وزير الأمن الداخلي، وهو من بين قادة «الليكود» الذين يتطلعون للمنافسة على خلافة نتنياهو، وقد كان من بين المبادرين لطرح توصية الضم على مؤتمر «الليكود» - قام بواجبه في الفحص وإجراء الدراسات التي تمكنه من تحويل قرار «الليكود» إلى قانون تشرعه الكنيست أو على الأقل أن يجد صيغه تسمح بتسلل قانون الضم الليكودي إلى سفر القوانين الإسرائيلية أو تجد له موطئ قدم.

 

فتش أردان وفتش بمساعدة مستشاريه، فوقع اختيارهم على تطوير أحد القوانين التي تتعلق بعمل وزارته (وزارة الأمن الداخلي)؛ قانون فرض العقوبات على المتسللين والمقيمين غير الشرعيين ومساعديهم. وبحسب أردان وطاقم وزارته، فالعقوبات غير كافية ولا تعتبر ردعية بما يكفي، رغم أنها تفرض عقوبات مشددة جدًا على من يساعدهم ويقدم لهم المأوى ووسائل التنقل، وهي تصل إلى حد فرض الغرامة بقيمة عشرات آلاف الشواكل والسجن الفعلي، أردان يقترح قانونًا يشدد العقوبات على المتسللين والمقيمين غير الشرعيين، لكنه يضيف للقانون فقرة تشمل المستوطنات وأراضي الضفة ضمن القانون، وهي سابقة أولى في تاريخ التشريع الاحتلالي أن يشمل أي تشريع احتلالي نصًا له علاقة بالمستوطنات أو أراضي الضفة، باستثناء القدس طبعًا.

 

أردان ووزارته في مشروع القانون لا يعلنون هدفهم الحقيقي، وهو إدخال نص غير مسبوق يشرّع ضم المستوطنات والضفة؛ وإنما يبرر النص المتعلق بالمستوطنات والضفة تبريرًا إجرائيًا متعلقًا بالتغلب على الثغرات الموجودة في القانون بصيغته السابقة، والتي تمنع الشرطة من القيام بما يمكنها من التغلب على ظاهرة المتسللين، حيث يشرح أردان ان شرطته - بدون هذا النص القانوني الذي يمنحها الصلاحيات الضرورية - تشعر بأنها مقيدة وغير مخولة بالقيام بكل مهماتها، ممّا يجعل القانون في صيغته السابقة غير عملي ويفتقر للجدوى ويقيّد صلاحيات وقدرات الشرطة.

 

أردان قدّم مشروع قانونه للجنة الوزارية الخاصة بشؤون التشريع، وفي حال تمت الموافقة علية داخل اللجنة سيتم تحويله للكنيست باسم الحكومة، لإجراء التصويت علية بأربعة قراءات. بعض القوانين كتلك التي يكون عليها خلاف مع أحد أقطاب الحكومة يتم تجميدها أو دفنها كما يقال بوسائل كثيرة داخل اللجنة الوزارية لشؤون التشريع، وبعضها يتم إدخال تعديلات ناتجة عن مساومات، لكن قانون أردان يشكّل اختبارًا حقيقيًا لمدى شعور الحكومة وأقطابها بقدرتهم على التغول دون مراعاة القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وكذلك ما يسمى بالشرعية الدولية ومشروع التسوية القائم على حل الدولتين، وهو يعتبر سابقة أولى في تاريخ التشريع الاحتلالي، وهو يعتبر اختبارًا حقيقيًا لأن جميع مكونات الحكومة تؤيد فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات، لكن ذات الحكومة امتنعت في السابق عن تأييد مشروع قانون بتطبيق القانون الإسرائيلي على العاملات الإسرائيليات في المستوطنات.

 

وقد سبق ان أعلن رئيس حزب «كلنا» موشية كحلون تأييده لضم المستوطنات، كما ان «البيت اليهودي» يعتبر الأكثر تشددًا وصاحب أيديولوجية ضم الضفة وفرض السيادة، ربما ليبرمان (وزير الحرب) سيظهر ترددًا أو تحفظًا من استباق التشريع للتطورات السياسية، متذرعًا بعدم استفزاز إدارة ترامب، وقد يختبئ نتنياهو - وهو زعيم «الليكود» - خلف موقف ليبرمان، بحيث يتم تحويل المشروع إلى لجان لدراسته بهدف المماطلة وكسب الوقت مع إبقائه جاهزًا دومًا، سواء للإقرار الفعلي أو للتوظيف السياسي.

 

لا يمكن ان نعرف مقدمًا مصير مشروع أردان، لكن المعروف سلفًا ان دولة الاحتلال تفرض كل يوم المزيد من الأمر الواقع على طريق استراتيجية الضم والتهويد، بعض ذلك يفرض خلسة وبالكثير من المناورات، وبعضه يمهّد لفرضه في الوعي، أولًا عبر الإعلام وعبر صدى الهتافات العالية التي يتطبع معها الوعي للقبول بواقع متحرك جديد. في النهاية نجمل ان لمشروع القانون احتمالين: إما تشريعه وإما تجميده، لكن بالنسبة لأردان فقد ربح الجولة وكسب تغطية إعلامية وتأييدًا من معسكر اليمين.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق