مع قوانين الله في العباد

مع قوانين الله في العباد
دنيا ودين

أ.محمد شحادة

حين قرأت كتباً تتحدث عن قوانين وسنن الله في العباد والكون،وهي كثيرة ومتنوعة من مثل:السنن الكونية لعبد الكريم زيدان، وسنن الله في عباده للعلامة البوطي، سنن الله في الأمم من خلال آيات القرآن الكريم لحسن بن صالح الحميد .. كتاب في سنن الله الكونية لمحمد احمد الغمراوي..وغيرها ..وجدت سنناً وقوانين راسخة في كتاب الله لا تتبدل ولا تتغير، يجب على كل مسلم عاقل أن يعرفها ويتأملها، ليكون على بصيرة وهدى في الحياة..

 

وكتاب الله سبحانه وتعالى يفيض بالقوانين والسنن التي يأخذ الله عز وجل بها عباده في هذه الحياة الدنيا‏،‏ ولكن من أهم هذه النواميس والسنن أو القوانين التي يفيض بها كتاب الله سبحانه وتعالى قانونان اثنان ينبغي على المسلمين أن يتبينوهما في كل عصر‏.‏

 

القانون الأول‏:‏ ذاك الذي يقضي بأن كل من سعى في هذه الحياة الدنيا ابتغاء الوصول إلى غاية من الغايات الدنيوية أو الأخروية‏،‏ وبذل في سبيل ذلك جهده‏،‏ وعرق في سبيل ذلك ولم يتوانَ‏؛‏ فإن الله عز وجل قضى بأن يوصله إلى غايته‏،‏ ويحقق له أمنيته‏،‏ أياً كان هذا الإنسان‏،‏ وأياً كانت هذه الأمة‏.‏ هذا هو القانون الأول‏،‏ والقرآن يعبر عنه بصراحة ووضوح إذ يقول الله عز وجل‏:‏ {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء‏:‏ 17‏/‏20]‏.‏

 

القانون الثاني الذي ألزم الله عز وجل به ذاته العلية بالنسبة لعباده في هذه الحياة الدنيا‏:‏ أن كل من أصغى إلى بيان الله‏،‏ واصطبغ بصبغة العبودية لله‏،‏ ونفذ الأوامر التي أمره الله عز وجل بها‏،‏ فإن الله سبحانه وتعالى سيحقق ـ له فرداً كان أو أمة ـ أعلى درجات السعادة الدنيوية‏،‏ قفزاً فوق الجهود التي يبذلها الآخرون‏،‏ قفزاً فوق العَرَقِ الذي يبذله الآخرون‏،‏ وفي ذلك يقول الله عز وجل‏:‏ {مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} [النحل‏:‏ 16‏/‏97] ويقول في بيان هذه الحقيقة أو هذا القانون أيضاً‏:‏ {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ‏،‏ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [إبراهيم‏:‏ 14‏/‏13ـ14] ثم قال وهذا هو نص القانون‏:‏ {ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ} [إبراهيم‏:‏ 14‏/‏14]‏.‏

 

هما قانونان يجب على المسلمين في كل عصر أن يتبينوهما‏،‏ وإذا تبين المسلمون ذلك فلن تكون هنالك غشاوات من جهل أو انتقادات‏.‏ لماذا تزدهر حياة الغربيين حضارياً ومدنياً وعلمياً‏؟‏ لأن الله قال‏:‏ {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء‏:‏ 17‏/‏20] كل من سلك مسالك السعي إلى غاية‏،‏ وبذل في سبيل ذلك الجهد ولم يتوان‏،‏ فإن قانون الباري عز وجل فيما يتعلق بتسخير الكون للإنسان يقضي أن ينال هذا الإنسان مطلبه‏،‏ وأن يصل إلى غايته‏.‏

 

والقانون الثاني أيضاً واقع‏،‏ ويتمثل هذا القانون الثاني في أمة كانت مثال البداوة ومثال الجهل ومثال التشتت والتفرّق‏،‏ هي أولئك العرب الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية على هامش التاريخ‏،‏ انقادوا لأوامر الله‏،‏ واصطبغوا بصبغة العبودية لله عز وجل‏،‏ وصَدَقوا مع الله عز وجل في تنفيذ أوامره‏،‏ فقفز الله بهم قفزاً إلى أعلى درجات القوة الحضارية والسمو العلمي والمكانة الباسقة‏.‏

 

هؤلاء الغربيون وصلوا إلى ما ابتغوه بجهودهم‏،‏ بأفكارهم‏،‏ بطاقاتهم‏،‏ صدق عليهم القانون الأول‏.‏ وهؤلاء العرب إنما اتجهوا إلى الله‏،‏ ومدوا أيدي الاصطلاح مع الله‏،‏ وخضعوا لأوامر الله عز وجل‏،‏ فدفعهم الله دفعاً دون أن يسلكوا تلك الوسيلة التي سلكها أولئك الآخرون من أصحاب الحضارات الذين كانوا يعيشون ويناكبون العرب في ذلك العصر‏.‏ قفز الله بهم قفزاً إلى الغايات‏.‏

 

ماهي إلا سنوات قليلة وإذا بالعرب الذين كانوا مثال الجهل يصبحون مضرب المثل بالعلم‏،‏ وإذا بأولئك الذين كانوا مضرب المثل في التشتت أصبحوا مضرب المثل في الوحدة‏،‏ أولئك الذين كانوا مضرب المثل في البداوة والتخلف إذا بهم أصبحوا مضرب المثل في الحضارة‏،‏ دون أن يسلكوا إلى ذلك الطريق الدنيوي الذي سلكه الرومان أو اليونان أو الفرس أو الذي سلكه الغربيون اليوم‏.‏ لأن الله حقق فيهم قانونه الثاني {ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيد} [إبراهيم‏:‏ 14‏/‏14]‏.‏

 

ما السبب في أهمية معرفة هذين القانونين ؟بل أهمهما هو القانون الثاني‏؟‏ هو أن نعلم أن العرب إنما ازدهرت حياتهم حضارياً‏،‏ علمياً‏،‏ ثقافياً‏،‏ من حيث القوة بواسطة هذا الدين‏،‏ ولم تزدهر فيهم هذه المظاهر بواسطة سلوكات دنيوية‏،‏ وجهود علمية بذلها المسلمون كما بذلها اليونان‏،‏ كما بذلها الرومان‏،‏ كما بذلها الفرس‏،‏ كما بذلها الغرب اليوم‏.‏ ولذلك فإنهم قفزوا قفزاً من أقصى أودية التخلف بكل أنواعه إلى أعلى درجة الوجود الحضاري بكل أنواعه‏.‏

 

ما الذي نفهمه من هذا‏؟‏ ما النتيجة‏؟‏ النتيجة هي أن هؤلاء العرب الذين تبوّءوا هذه المراكز لا بعرق جبين‏،‏ ولا بجهود دنيوية علمية بذلوها‏،‏ وإنما بسَوْق ساقهم الله إلى هذه المراكز عندما أخلصوا دينهم لله‏،‏ وعندما اصطلحوا مع الله‏،‏ وعندما اصطبغوا حقاً بصبغة العبودية لله عز وجل‏،‏ ما المعنى المنطقي الذي ينبغي أن ندركه‏؟‏ المعنى المنطقي هو أن هؤلاء العرب عندما يجدون أنفسهم وقد تبوءوا هذه المراكز العالية‏،‏ وأشرق الوجود الحضاري في حياتهم‏،‏ عندما ينتشون ويطربون ويفرحون بهذا‏،‏ وينسون السُّلَّمَ الذي ارتقى بهم قفزاً إلى هذا المستوى‏،‏ ثم يخلعون ربقة هذا الدين الذي هو سرُّ سموهم إلى هذه المكانة‏،‏ فما النتيجة التي يقتضيها هذا القانون‏؟‏ النتيجة هي أن يعود هؤلاء الناس إلى الواقع الذي كانوا فيه‏،‏ ذلك لأنهم لم يتبوّءوا الحضارة بجهود علمية مارسوها سنوات طويلة‏،‏ كما فعل الآخرون‏،‏ لم يتبوءوا مراكز الغنى بجهود صناعات أقاموها‏،‏ وفلسفات اعتمدوا عليها‏،‏ واختراعات ابتدعوها‏،‏ ومارسوا في ذلك جهوداً استطالت مدة من الزمن‏.‏ لا‏،‏ لا‏،‏ وإنما بواسطة سُلّم ارتقوا درجاته هو هذا الدين‏،‏ فإذا نسوا هذا السُّلَّم وركلوه بأقدامهم لأنهم وجدوا أنفسهم في مركز السمو والعلو‏،‏ فإن القانون يقول لهم‏:‏ إذن فارجعوا إلى ما كنتم عليه‏.‏ ولابد عندئذ للعرب وقد خلعوا ربقة هذا الشرف الذي شرفهم الله عز وجل به‏،‏ لابد أن يعودوا إلى ماكانوا عليه‏.‏

 

أما الآخرون منهم لم يصلوا إلى مستواهم الحضاري بواسطة الدين‏،‏ لم يصلوا إلى مستوياتهم العلمية بواسطة العبودية لله‏،‏ وصلوا بواسطة العَرَق الذي بذلوه‏،‏ بواسطة جهودهم الدنيوية التي بذلوها‏،‏ والقانون الأول يقول‏:‏ {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء‏:‏ 17‏/‏20] ولكن العرب إذا ما رجعوا‏،‏ وإذا ما تركوا الشرف الذي بوّأهم هذا المركز‏،‏ فالقانون الرياضي والحقيقة العلمية تقتضي أن يعودوا إلى ما قد كانوا عليه بالأمس‏،‏ لأن الذي رفعهم هو هذا الدين وحده‏.‏

التعليقات : 0

إضافة تعليق