مرايا

ارتجال... ارتباك... فوضى..! عبد الله الشاعر

ارتجال... ارتباك... فوضى..! عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

لعلّ أبرز ما تمتاز به القرارات السياسيّة في فلسطين أنّ الارتجال هو علامتها الفارقة، ومن يتابع الارتباك والفوضى التي تُصاحب تلك القرارات ير بأمّ قلبه وعينه آثارها الحمقاء وهي تدبّ على الشارع الفلسطيني، ثمّ يعقبها مناكفاتٌ وتنابزٌ وكأنّ القرار أو الفعاليّة تستهدف إشعال نار العداوة والبغضاء بين شرائح المجتمع ليس إلّا.

 

تابعت أواسط هذا الأسبوع الخطوة النضاليّة الفريدة والقاصمة التي اتخذها العديد من السياسيين، والتي تمثّلت في إعلان الإضراب ليومٍ واحدٍ احتجاجاً على زيارة نائب الرئيس الأمريكي للمنطقة، ثم تابعت تداعيات هذا القرار على الشارع الفلسطيني وما رافقه من اتهامات ومناكفات وشتائم!

 

لست أدري، أكان عليّ – وأنا أُتابع هذا العبث- أن أنفجر غضباً أم ضحكاً، ولكنّي تساءلت بيني وبيني على استحياءٍ من نفسي: إذا كان الإضراب عملاً وطنيّاً وخطوةً نضاليّة فلماذا تمّ استثناء العاملين في وزارتي التربية والصحة؟ أَلِأنّهم دون هذا الشرف الوطنيّ، أم إن دوامهم في عملهم ضروريٌّ وحيويٌّ؟ وإن كانت نوايا القائمين على استثناء هاتين الوزارتين من الإضراب على هذه الروعة من التقدير لحساسيّة هاتين الوزارتين، فهل يعني أن بقيّة الوزارات وجودها غير ضروريّ ، وعملها غير مُلّح؟!

 

بتقديري أن لا شيء مما تقدّم هو السبب وراء كل تلك الفوضى في اتخاذ القرارات، إنّما هي العبثيّة وفُقدان الأهليّة والمراهقة السياسيّة والنضاليّة التي تسيطر على عقول أولي الأمر وتضبط خُطُواتهم، فالإضراب- كوسيلة احتجاجٍ – ليس بالشيء الطارئ على ثقافات الشعوب ونضالها ضد أعدائها، وما نراه اليوم من أصداءٍ ونقاشاتٍ ساخنةٍ بين المؤيّدين والمعارضين لهذه الإضراب ليس مردّه فكرة الإضراب ذاتها، إنما في فعاليّتها ومناسبتها لحجم التحدّي، وفي الطريقة التي يتم فيها رسم تلك الخطوة، والارتباك الذي يصاحب تلك الفعاليات، والذي يتسبب به القائمون على تلك الفعاليّة.

 

علينا أن نتبصّر عمق المشكلة بين الشعب وقيادته الحزبيّة والسياسيّة؛ لنفهم خلفيّات هذا السجال الذي يصاحب كل فعاليّة أو خطوة سياسيّة يُقدم عليها المستوى السياسيّ أو الحزبيّ في فلسطين، وإنني أعتقد أن السبب الرئيس وراء هذا التباين مردّه انعدام الثقة بين الشعب وقياداته، فلا الجماهير تثق في سياسيّيها، ولا السياسيّون قادرون على إقناع الجماهير بأهليّتهم لقيادة هذه المرحلة الحرجة من تاريخ القضيّة الفلسطينيّة، ولقد غدت الجماهير على قناعة أن القرارات النضاليّة العرجاء لا تخيف عدوّاً، ولا تردع معتدياً، ولا تجلب إلا الفرقة والتشتّت، ولهذا تكتنز في الوعي واللاوعي قناعةً راسخةً بعبثيّة المسار السياسيّ وما يصاحبه من قراراتٍ وخطواتٍ ومشاريع، ولهذا تزداد الهوّة كلّما لاح في الأفق مشروعٌ سياسيٌّ أو قراراتٌ ميدانيّة تضبطُ آليّة النضال ضدّ العدوّ ومسانديه.

 

إنّ هذا السجال الذي صاحَبَ قرار الإضراب لم يكن سببه استثناء التربية والصحّة من الفعاليّة، إنما هو عرضٌ من أعراض المشكلة العميقة التي تسبّبها انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم، وبين المواطن والحزب، وبين الجماهير والسياسيّين الذين أظهروا عجزاً واضحاً في القدرة على النهوض بهذه المرحلة الحرجة من تاريخ القضيّة، وما دام السياسيّون على هذه الحال من الفوضى والارتباك والعجز عن اتخاذ القرارات التي ترتقي وحجم التحدّي فستظلّ سياستهم محلّ خلافٍ وريبةٍ واتهام.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق