الدور المستقبلي لداعش... جميل عبد النبي

الدور المستقبلي لداعش... جميل عبد النبي
أقلام وآراء

جميل عبد النبي

قبل أيام تناقلت بعض المواقع الإخبارية خبرا عن تمكن الجيش المصري من تحطيم باخرتين تركيتين في عمق البحر، محملتين بالأسلحة والمقاتلين، كانتا في اتجاههما إلى سيناء، وثالثة أيضا، كانت قد استطاعت إفراغ شحنتها من المقاتلين والأسلحة في جزيرة قريبة من سيناء، تمهيدا للوصول إليها، لكن الجيش المصري كان قد تمكن من رصدها، فاستطاع تفجير الأسلحة داخل الجزيرة، والقضاء على معظم المقاتلين الدواعش الذين كانوا يستقلونها.

 

لم تعلن تركيا هذا الخبر، ولا كل وسائل الإعلام المعادية لمصر، وحتى المصريون تجنبوا الحديث العلني عنه، مما يبقيه في دائرة الشك، لكن كل المعطيات القادمة من سيناء تؤكد أن معركة داعش المستقبلية هناك، خاصة بعد أن خسرت داعش مواقعها في كل من سوريا والعراق، وأن تحشيدا كبيرا لمقاتليهم يجري على قدم وساق، وبالتأكيد ليس بعيدا عن عين العالم التي ترصد كل حركات المنطقة، وتحديدا، إن كان من الممكن أن تؤثر على أمن واستقرار إسرائيل، والتي تربط الأراضي الفلسطينية المقامة عليها وسيناء حدود طويلة، ما يعني بشكل مبدئي: أن هذا التحرك الداعشي المرصود والمدعوم عالميا، لن يهدد إسرائيل أبدا، كما لم يهددها من قبل وجود متطرفين في سوريا على الحدود الشمالية لفلسطين.

 

سؤالان لا بد وأن يطرحا هنا حول الدور المطلوب من داعش في سيناء على النحو التالي:

  1. لماذا مصر؟
  2. كيف سيؤثر الوجود الداعشي في سيناء على القضية الفلسطينية، وعلى غزة على وجه الخصوص؟

 

أما لماذا مصر، فلا نظن الإجابة خافية، أو يصعب الوصول إليها، فمصر هي القوة الحقيقية الوحيدة المتبقية للعرب، بعد تدمير أهم الدول والجيوش ألعربية، في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا، كما واستنزاف الدولة والجيش السعودي، في الحروب الإقليمية، ومستوى الابتزاز الأمريكي، الذي يكاد يطيح بالدولة ذاتها هناك.

 

كما أن وجود مصر قوية على الحدود المتاخمة لفلسطين، حيث الكيان الإسرائيلي، يعني وجود تهديد لإسرائيل، حتى ولو كانت هناك اتفاقية سلام باردة بين الطرفين، قد تنهار في لحظة زمنية لم تحسب لها إسرائيل حسابا، كما ونظن أن إسرائيل تفضل السلام مع الضعفاء وليس مع أقوياء يتعاملون معها بندية حقيقية.

 

ولا شك أن مصر تتعرض الآن إلى جملة من الابتزازات، وربما محاولات التوريط في أزمات قد تصل إلى مستوى حروب، كتلك المتعلقة بحصص مياه نهر النيل، لكن من الواضح أن مصر تتحرك في المسائل الإقليمية بخطا هادئة، وربما مستشعرة لخطط التوريط التي تحيكها لها جهات إقليمية ودولية- دائما- على علاقة وطيدة بإسرائيل، وبالتالي برزت الحاجة لاستخدام أدوات جديدة في إشغال واستنزاف الدولة والجيش المصري.

 

لا بد من التذكير هنا بإحدى أخطر توصيات مفكري مراكز الأبحاث الإسرائيلية المتعلقة بمصر، والتي تشير مباشرة إلى ضرورة تفتيت مصر، وليس مجرد إضعافها، حيث أن: تفتيت مصر- كما تشير التوصيات- يعني تفتيت كل العرب، على اعتبار أن مصر الآن هي قلب العرب، وعمود خيمة العروبة، وبالتالي لا يمكن فهم أي تحرك في اللحظة الراهنة ضد الدولة والجيش المصري، إلا في سياق محاولة تفتيت مصر، خاصة حينما تأتي هذه المحاولات من جهات لم تعد علاقتها بأمريكا وإسرائيل سرية.

 

المسألة إذن مرتبطة بتفتيت ما تبقى من القوة العربية، خاصة تلك المطلة على حدود الكيان الإسرائيلي، ثم هي في وجهها المقابل ساحة جديدة لإشغال واستنزاف المتطرفين أنفسهم، حيث لا يمكن قبول فكرة ارتباطهم كلهم بأمريكا وإسرائيل، ولا بد من وجود مؤمنين حقيقيين، بعدالة القضايا التي يقاتل الدواعش من أجلها، وهؤلاء سيشكلون خطرا- ولو بعد حين- على الجهات الداعمة  ذاتها، بوصفهم كفارا لا بد من غزوهم واستلاب أموالهم وأراضيهم حسب فهم داعش، ما يعني أن تصديرهم في اتجاه مصر، يحقق هدفا مزدوجا، الأول: مشاغلة واستنزاف الدولة والجيش المصري، الثاني: التخلص من خطر هؤلاء المتطرفين بمزجهم في أتون محرقة جديدة.

 

أما كيف سيؤثر الوجود الداعشي في سيناء على القضية الفلسطينية، وغزة بالتحديد؟ فهناك ثابتان لا يمكن تجاهلهما بهذا الخصوص، الأول: حالة العداء المستفحلة والمتفاقمة بين داعش سيناء، وحماس، والثاني: أن داعش لا تعترف من حيث المبدأ بفكرة الحدود الإقليمية بين الدول، ومن ضمنها بالتأكيد ما يفصل غزة عن سيناء.

 

في حالة كهذه، ولو افترضنا أن داعش استطاعت أن تجلب ما يكفي من السلاح والمقاتلين، ومن ثم استطاعت أن تنشئ كيانا- ولو مؤقتا- في سيناء، فإن فكرة التمدد في اتجاه غزة لن تصبح مستحيلة، هذا إن لم تكن إحدى المهام المقررة هي هذه الخطوة بالتحديد.

 

هذه المخاوف ليست مستحيلة الوقوع، إن كتب لأي كيان داعشي أن ينشأ إلى جوار غزة، دون أن يعني هذا بالضرورة  أن داعش ستتمكن من غزة، حيث لا يمكن الاستهتار بقوة فصائل المقاومة هنا، لكن فكرة إزالة الحدود على اعتبارها حدود( سايكس بيكو)، ستكون واردة جدا، ولكم أن تتخيلوا المشهد الغزاوي في حينه... اقتتال داخلي، وشعب خائف ومضغوط أصلا في غزة، وحدود مفتوحة تمكنه من الهرب جنوبا بحثا عن أمان، سيقول العالم: أن على مصر- أخلاقيا- أن تؤمنه لهؤلاء اللاجئين، ولو في مخيمات مؤقتة، لا يعلم إلا الله إن كانت بالفعل مؤقتة، أو هي أولى الخطوات العملية لتنفيذ خطة توسيع غزة التي تطرحها إسرائيل بجدية هذه الأيام، كي تقام عليها دولة مستقلة منفصلة عن فلسطين التاريخية، بل وأولى خطوات التهجير الطوعي الذي لن تتحمل إسرائيل مسئوليته الأخلاقية.

 

تبقى هذه مجرد مخاوف قد لا تتحقق، لكنها بالتأكيد بحاجة إلى يقظة مصرية وفلسطينية على السواء.

التعليقات : 0

إضافة تعليق