تهويد منهاج التعليم الفلسطينية

تهويد منهاج التعليم الفلسطينية
القدس

ياسمين مسودة

بعد نكبة الشعب الفلسطيني باستيطان أرضة وتهجير شعبه عام 1948 وقيام الكيان الاسرائيلي الذي انكر وجود الشعب الفلسطيني وجذوره الضاربة في التاريخ كما ورد في شعار «شعب بلا ارض لشعب بلا ارض»،  عملت الحركة الصهيونية على تطبيق هذا الشعار و غرسه في القوانين والمناهج الإسرائيلية والكتب التدريسية بشكل واضح وصريح أحيانًا وبشكل خفي أحيانًا أخرى.

 

 تم إقرار قانون التعليم الرسمي منذ العام 1953 ونصّ هذا القانون على توحيد كافة تيارات التعليم التي تشكّلت في المجتمع اليهودي على أرض فلسطين في نمطين من التعليم هما التعليم الرسمي والتعليم الديني، حيث تم بناء وإعداد المناهج والكتب التدريسية لأول مرة ما بين عام 1954-1956.

 

رغمّ  تفاوت الكتب المدرسية المتداولة في إسرائيل  بالطريقة التي تعتمدها في تدريس الحقول المعرفية، إلا أن هناك تيارات بطبيعة الأمر لا تعتمد على هذه الأيديولوجيا حتى لو أراد لها جهاز التعليم الإسرائيلي ذلك، ومن هذه تيار التعليم العربي.   

 

المناخ الذي رافق فترة أوسلو على ما فيه من تغيير ضئيل في تعامل ومواقف الدولة تجاه المواطنين العرب واعتقاد بعض الأوساط الصهيونيّة الليبراليّة بضرورة العمل على دمج العرب في المجتمع الإسرائيلي أفضى إلى عدم استثناء العرب في ما يتعلّق بتدريس نفس منهاج المدنيات الإسرائيلي  ومن خلال الكتاب نفسه مترجمًا للغة العربيّة.

 

جاء تدريس المدنيات من خلال منهاج موحّد وكتاب واحِد للطلاب العرب واليهود بالتماهي مع قرار وزارة المعارف بوضع منهاج موحَّد لمادة المدنيات في جميع الأوساط المذكورة  ليشكل أساسًا لتصوُّر مواطنة مشتركة لجميع الطلاب اليهود والعرب.

 

صدر القرار بتوحيد منهاج المدنيات وتدريسه من خلال كتاب واحد في سنة 1994، أي خلال الفترة التي شهدت أوج عملية التسويّة مع الفلسطينيّين (اتفاقيات أوسلو) وتنامي شعور النخب السائدة آنذاك (حزب العمل والأوساط القريبة منه) باقتراب النجاح في إغلاق ملف القضية الفلسطينية، الأمر الذي سينجم عنه تشكّل واقع جديد في المنطقة برمّتها وفي إسرائيل، وبضمن ذلك علاقة جديدة للدولة والمجتمع الإسرائيليّين مع الفلسطينيّين في إسرائيل.

 

وزارة المعارف الإسرائيلية عام 2016 قررت تطبيق منهاج البجروت على جميع مدارس القدس العربية التابعة لبلدية الاحتلال في القدس قبل بدء العام الدراسي الحالي إغراء المدارس، «بترميم المدارس مقابل تدريس المنهاج الاسرائيلي»، فخلال توزيع الميزانيات للعام الدراسي أقر «المكتب المختص بشؤون القدس» في الحكومة الإسرائيلية مبلغ 20 مليون شيكل، لدعم ترميم المدارس في المدينة التي تدرس المنهاج الإسرائيلي، إضافة إلى شطب شعار السلطة وبعض الصفحات والدروس من المنهاج الفلسطيني المقرر الذي يدرس في مدارس المدينة.

 

ارتفع عدد الطلبة المقدسيين اللذين يدرسون المنهاج الإسرائيلي خلال العام 2016 بعد قرار وزارة المعارف إلى 3500 طالب وطالبةً بعد أن كان عددهم في العام الدراسي 2013 ، 1350 طالبًا وطالبة.

 

يتم تدريس موضوع المدنيات في المدارس الثانويّة العربيّة في إسرائيل من خلال كتاب واحد هو «أن نكون مواطنين في إسرائيل»، وهو كتاب تعليم في الموطن والمجتمع والمدّنيات من سلسلة «الحياة معًا في إسرائيل»، والذي تم تطويره وكتابته في مركز التكنولوجيا التربوية (مطاح)، تم إعداده للطلبة العرب خصيصًا الذين يدّرسون في المدارس العربية في القدس، وفقًا للمنهج التعليمي الجديد، وهو برنامج يدمج مبادئ، مصطلحات ومضامين من مجالات فكرية متعددة مثل الجغرافيا، البيئة، المدنيات، علم الاجتماع، التاريخ، والاقتصاد.

 

يتم التلاعب بالماضي بطريقة تنطوي على استخدام صور نمطية وتعتمد التحيز والتحامل في وصف الفلسطيني، ولا يقتصر قيام الكتب المدرسية الإسرائيلية على إقصاء الرواية الفلسطينية فحسب، بل تساهم الصور النمطية  في ترسيخ التحيز وتعمل على نزع الصفة الشرعية، وتصنيف الجماعات إلى فئات اجتماعية سلبية تتسم بالتطّرف، بحيث يتم إقصاؤها من الجماعات الإنسانية التي ينظر إليها على أنها تتصرف ضمن حدود القواعد والقيم المقبولة.

 

وضع منهاج تعليم واحد للمدنيات، كخطوة تهدف إلى تعزيز المشترك وتوسيع قاعدة الإجماع داخل المجتمع الإسرائيلي يعني في حالة الطلاب العرب هو تجاهل لواقعهم الاجتماعيّ والسياسيّ. وعندما تعرِّف الدولة نفسها دولة يهوديَّة وتحدّد سلوكها انطلاقًا من هذه الهوية اليهودية المميِّزة (على صعيد رموز الدولة، وسياساتها، وتحديد أجندتها العامة، ومعايير إنتاج واقتسام الخير العام، إلخ...) يُصبح فرض منهاج موحّد للمدنيات بمثابة مطالبة للعرب بتجاهل سيرورة تشكّل علاقتهم مع إسرائيل والقبول بالواقع المعاش على ما هو عليه، والقبول بمفهوم للمواطنة مفعّم بروح الصهيونية وبتكريس الطابع اليهودي للدولة والتزامها تجاه الشعب اليهودي وسلخ المقدسيين عن تاريخهم وهويتهم وثقافتهم.

التعليقات : 0

إضافة تعليق