الكراهية.. دين التجمع الصهيوني

الكراهية.. دين التجمع الصهيوني
عين على العدو

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ إسماعيل مهرة

ليست المستوطنات ولا التنكر الإسرائيلي للقانون الدولي ولا ضم القدس وتهويدها وفرض الأمر الواقع من طرف واحد هي العقبة أمام السلام، فصحيفة «إسرائيل اليوم» اكتشفت ما عجز الجميع عن اكتشافه، وحسبها فإن الاتحاد الأوروبي يشكل عقبة أمام التوصل إلى السلام عبر احتضانه للرئيس عباس، وعبر ما يقدمه للسلطة الفلسطينية من دعم مالي وسياسي يشجعها على التمرد والرفض، فكتبت الصحيفة «بينما يزور نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس الشرق الأوسط في إطار رحلة تستهدف الدفع إلى الأمام بمبادرة سلام أمريكية جديدة بين الدول العربية وإسرائيل؛ يسافر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) إلى بروكسل للقاء وزراء الخارجية الأوروبيين، ورغم ان زيارته كانت مقررة مسبقًا إلا أنها تكتسب رمزية كبيرة، تكمن في أنه يجد ملجأ من الإدارة الأمريكية في حضن الاتحاد الأوروبي».

 

ولأن الصحيفة تتحدث إلى جمهور متعصب ويميني ومستعد لأن يتقبل كل ما تقوله الصحيفة؛ فهي حتى لا تجتهد بانتقاء المفاهيم والعبارات، فاعتبرت زيارة بينس للقدس المحتلة وخطابه العاطفي والحميمي على الصهيونية رحلة تستهدف الدفع إلى الأمام بعملية السلام، ولم ترَ في الاتحاد الأوروبي المتعاطف جدًا مع إسرائيل - والذي أثبت تعاطفه الكبير مع إسرائيل في أكثر من مناسبة وفرصة - سوى بعض الفتات الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي للسلطة على أنه دعم كبير. ولأنه من السهل عليهم كيل الاتهامات حتى لأصدقائهم عندما لا يؤيدونهم بحماس في مواقفهم العدوانية والاحتلالية، حتى تلك التي ينتقدها أو يتحفظ عليها بعض الصهاينة؛ فسرعان ما يبحثون عن مبررات ودوافع عنصرية أو لاسامية تقف خلف التحفظ أو الانتقاد، وهو ما توصلت إليه الصحيفة بأن «سكوت الاتحاد الأوروبي وعواصمه المركزية في ضوء خطاب (يخرب بيتك) لعباس يشكل دليلًا قاطعًا على أن الاتحاد غير معني بحل النزاع العربي - الإسرائيلي (وهذه التهمة الأولى). أوروبا بتجربتها التاريخية كان يفترض بها أن ترد على الخطاب المجنون لعباس بإلغاء اللقاء معه، ولكن مثلما يجد الاتحاد الأوروبي صعوبة في وقف ضخ المال للسلطة الفلسطينية، والتي تستخدم لأغراض معادية ضد إسرائيل، وإلزام الفلسطينيين بالمساهمة أخيرًا بدورهم في مسيرة السلام؛ لم يعاقب عباس على أقواله، بل يحظى بالعناق (والتهمة الثانية هي التحريض). الولايات المتحدة تعترف بالقدس كعاصمة إسرائيل؟ الاتحاد الأوروبي يعارض بصخب ولوكسمبورغ تقترح أن تعترف أوروبا بدولة فلسطينية في حدود 1967، الولايات المتحدة توقف المساعدة للأونروا؟ بلجيكا تبعث بتبرع بديل، عباس واعٍ جدًا في أنه لا يحتاج لأن يفعل أي شيء كي يدفع المسيرة السلمية إلى الأمام، أوروبا دوما خلفه، وبالأساس في الأيام التي يغرق فيها الاتحاد الأوروبي في مشاكله. لقد أصبحت اللا إسرائيلية نسقًا أمثل لعنصر الهوية الأوروبية (وهذه التهمة الأكبر، والدافع خلف تصرف الاتحاد الأوروبي اللا إسرائيلية، وبمعنى آخر اللاسامية). وبدلًا من استخدام الأدوات الكثيرة التي في يده لإجبار الفلسطينيين على الوصول إلى تسوية سياسية ما؛ يدلل الاتحاد الفلسطينيين بالامتيازات، ويفكر الآن بالتوقيع على اتفاق شراكة معهم، كرد على السياسة المؤيدة لإسرائيل من إدارة ترامب، وهكذا يثبت الاتحاد نفسه كالعائق الأكبر للسلام في الشرق الأوسط».

 

وتتناسى الصحيفة كل المواقف الخجولة والمتحفظة، وأحيانًا المؤيدة للعدوان الإسرائيلي، ورفض الأوروبيين حتى اللحظة فرض عقوبات على الاستيطان الذي يشكل خرقًا للقانون الدولي، وتمسك الاتحاد بموقف يلتزم بنتائج المفاوضات المباشرة بالرعاية الأمريكية مع إدراكهم ان هذه المفاوضات طالما ظلت نتائجها مرتبطة بالموقف الإسرائيلي والموقف الأمريكي لن تصل إلى أية نتائج يمكن معها ان ترى الدولة الفلسطينية النور.

 

السلام - بحسب الصحيفة، وبحسب غالبية الإسرائيليين - ليس سوى قبول الفلسطينيين المستمر لكل المطامع الصهيونية التي لا تنتهي عند حدود، وبرغم التعاطف الكبير لنائب الرئيس الانجيلي الصهيوني مايك بينس مع "إسرائيل" التوراتية ومع سياسات الصهيونية الدينية، فعندما تحدث في الكنيست عن السلام الذي يؤدي لقيام دولة فلسطينية بدون القدس وبدون السيادة والحدود وبدون اللاجئين؛ لم يحظ سوى بصمت بارد مستنكر من جانب نتنياهو وجوقته، وكان يتوقع ان يسمع تصفيقًا كما أمطروه بعد كل جملة سابقة.

 

"إسرائيل" نسيت للرئيس عباس كل خطاباته وسياساته المعتدلة والمتمسكة بالمفاوضات كطريق وحيد لتحقيق السلام الذي سيؤدي إلى قيام دولة إلى جانب دولة إسرائيل، وتمسكوا بخطاب «يخرب بيتك»، وحولوا الرواية الصهيونية إلى دين مقدس يحظر انتقاده، وما ان تحدث الرئيس بخطابه في المركزي عن التاريخ الصهيوني وتاريخ الهجرة الصهيونية وظروفها وعواملها وأهدافها والدعم الذي حظيت به من دول الاستعمار، وهي حقائق تاريخية يقر بها يهود صهاينة وموجودة في مراجع دولية؛ حتى اتهموه بالعودة إلى جذوره العنصرية الكارهة لليهود واللاسامية، إلى درجة ان نتنياهو اعتبر الخطاب هدية لإسرائيل تزيل القناع عن مناورات عباس التي عمل نتنياهو سنوات على كشفها.

 

الشاعر الغنائي يونتان غيفن، وتأثرًا بحالة الطفلة عهد التميمي، كتب قصيدة قصيرة يتضامن فيها مع مشاعر عهد التي انفجرت في وجه الجنود الذين اقتحموا بيتها، فيقول ان صفعتها تحمل «خمسين عاماً من الاحتلال والإهانة»، ويكمل «عندما ينتهي الصراع ستكونين مثل جان دارك وآنا فرانك»، في إسرائيل لم يروا بموقف الشاعر سوى تجرئه على اقتحام معبدهم وتشبيه «المخربة» بمقدسات المعبد الصهيوني.

 

"إسرائيل" هي التجمع السكاني الوحيد في العالم الذي استطاع أن يحوّل الكراهية إلى أيديولوجيا، ويحوّل الأيديولوجيا إلى دين بمقاييس دنيوية، فيعبده المتدين والعلماني، الشرقي والغربي، يعبده الأطفال والكبار، الرجال والنساء، والفقراء والأغنياء.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق