"إسرائيل" العجيبة... حماد صبح 

أقلام وآراء

بقلم : حماد صبح

لإسرائيل نوادر وعجائب تشبه نوادر الحمقى وعجائبهم. لا ننفي أنها كيان متقدم في نواحٍ كثيرة، وأنها تعالج شئونها بكفاءة علمية عالية، لكنها مع هذه المزايا الإيجابية تصدر عنها أقوال وتصرفات ترقى إلى غرابة نوادر الحمقى وعجائبهم . كيف يحدث هذا ؟! كيف يجتمع النقيضان المتباعدان في ذات واحدة ؟! نرد بإيجاز: إنها نوعية نشأة إسرائيل الشاذة بالسطو على وطن وحياة شعب آخر. هذه النشأة تدفعها إلى جهد رهيب في كل المستويات للتغطية عليها ، ودفع ذاتها لنسيانها، ودفع الآخرين لهذا النسيان، ولكن هيهات ! الباطل لا ينقلب حقا، والوهم لا ينقلب حقيقة.

 

وهذه الاستحالة المنطقية خلقت كيانا تجتاحه موجات من الوساوس القهرية منها وسواس الأمن ، ووسواس الخوف من الزوال، ووسواس الشك العميق في نوايا الآخرين مهما دلت الوقائع الملموسة على حسنها. وأحدث نوادر إسرائيل وعجائبها ما فتىء الإعلام يتداوله، وظهر في حديث مايكل أورن نائب الوزير، ومسئول الدبلوماسية في ديوان نتنياهو، وسفير إسرائيل السابق في واشنطون؛ لصحيفة "هآرتس" في شأن فحص قامت به اللجنة السرية التابعة للخارجية والأمن في الكنيست منذ عامين للتأكد من حقيقة أسرة عهد التميمي شكا في أنها قد تكون أسرة ملفقة تستهدف استخدام أبنائها في الإضرار بسمعة إسرائيل.

 

ومع أنه أقر بأن الفحص لم يصل إلى نتيجة قاطعة حول حقيقة الأسرة فإنه سعى لتعزيز فرية التلفيق بالقول إن أبناء الأسرة شقر البشرة والشعر، ويلبسون ملابس وقبعات أميركية مقلوبة للتأثير في الرأي العام الأميركي والأوروبي إجمالا لدفعه للتعاطف مع الفلسطينيين. يقصد أن الفلسطينيين يريدون أن يقولوا: " نحن نشبهكم يا أميركيون ويا أوروبيون خلقة وملابس فارحمونا وأنقذونا من فتك وحشية إسرائيل!".

 

أين العجب في أقوال أورن ؟! العجب يحدده التساؤل:  كيف يستمر تحقيق في قضية صغيرة مثل هذه  طول عامين دون أي نتيجة مع كثرة الأجهزة المشتركة فيه ومنها الشاباك ؟! وألا يرى المشتركون في التحقيق وسواهم من الإسرائيليين الذين علموا به الشبه الواسع بين ملامح وجه عهد وملامح وجه أمها ناريمان ؟! الشبه واضح ساطع في كبر الوجه والعينيين والأنف والفم .

 

يبدو أن الإسرائيليين لاحظ لهم من موهبة الفراسة العربية التي تستدل على النسب بأغمض التشابهات وألطفها. وألا تستطيع إسرائيل التأكد من صحة نسب أبناء الأسرة من سجل الأحوال المدنية في الضفة الذي ما زال تابعا لها؟! وسجلات الأبناء المدرسية، ألا يمكن أن تفي بهذا الغرض؟! واضح أن اختلاق القضية يستهدف التشكيك في شرعية المقاومة الفلسطينية للعدوان الإسرائيلي الفاجر بكل صوره البشعة ، وتقديم إسرائيل نفسها للعالم بأنها دولة طبيعية في أرضها الخاصة ، وأن الفلسطينيين هبطوا عليها من "المريخ " ليؤذوها ويقبحوا سمعتها .

 

وفي المقابلة يتحدث أورن عن حكاية صورة لأب فلسطيني يحمل طفله المقتول، وتحيط به حجارة، ويقول إن الفلسطينيين روجوا هذه الصورة المصطنعة متهمين إسرائيل بقتل الطفل، وهدم بيت الأسرة ! من يقرأ كلامه، ولا يعرف حقيقة ما جرى ويجري في فلسطين يظن فورا أن "إسرائيل" " قصّرت " في جرائمها المتنوعة ومجازرها الرهيبة في جانب الفلسطينيين حتى أصبحوا في عوز ملح لتلفيق الجرائم ونسبتها إليها .

 

وطالب جمال زحالقة النائب عن التجمع الديمقراطي الوطني ورئيس الكتلة البرلمانية للقائمة المشتركة رئيسَ الكنيست يولي أدلشتاين بالكشف عما حدث في اللجنة السرية للخارجية والأمن في تلك القضية ، وببلاغته المعروفة قال في طلبه المقدم ليولي: " يجب الكشف عن الحضيض الأخلاقي والسياسي وحالة الهلوسة والإفلاس التام الذي تصل إليه قيادات إسرائيلية في تعاملها مع الفلسطينيين ". "حالة الهلوسة" ذلك ما وصفناه بالوساوس القهرية المتنوعة التي تجتاح النفسية الإسرائيلية. إنها ترى أمام كل خطوة حفرة ، بل هاوية متغورة ، وخلف كل شجرة مسلحا قاتلا ، ومع كل رعدة سحابة صاروخا، ويفسر هذا ما نسمعه بين وقت ووقت أن صفارات الإنذار دوت خطأ في مستوطنات محيط غزة محذرة من صاروخ أطلق ، ويطلب من المستوطنين الذين اندفعوا مرعوبين إلى الملاجئ بالخروج منها ، ومواصلة حياتهم المعتادة .

 

" يحسبون كل صيحة عليهم " بالتعبير القرآني الكريم الحكيم . وفي نوفمبر/ تشرين الثاني، حين زار السادات القدس ليعرض على الإسرائيليين التوصل للحل مع العرب؛ جهزت إسرائيل وحدة اقتحام عند نزول طائرة السادات فور الشك في أنها تحمل متفجرات أو قوات لقتل من يستقبله في المطار من القادة الإسرائيليين . ويعرض أكثر العرب السلام على إسرائيل بأهزل عائد لهم وأجزل عائد لها ، فتتمنع وتتجشع ، وتختلق شروطا جديدة لمسالمتهم .

 

 هي تخاف السلام الحقيقي مهما قدم لها من مغريات نفيسة ، وتظل تطل بشروط معجزة تبعدها وتبعد المنطقة عنه. ولو كانت دولة سوية نشأة ومسارا ومصيرا لما حركت كل هذا الصخب حول صبية في السادسة عشرة دافعت عزلاء اليدين عن بيتها جنودا يتحركون مبطئين لثقل ما يحملون من الأسلحة الشخصية المتنوعة، وهي كانت ستدافع الدفاع ذاته أيَ معتد آخر على حرمة البيت والأسرة. إنما هي إسرائيل ذات النوادر والعجائب المنبثقة من نوعية نشأتها الخاطئة الشاذة، وستلبث هكذا ما قدر لها أن تعيش حتى يريح الله منها البلاد والعباد ، وما أنشأه الخطأ والشذوذ لا بقاء له ، هذه سنة الله _ سبحانه _ في خلقه .

التعليقات : 0

إضافة تعليق