الديكتاتور يُبعث من جديد.... د. وليد القططي

الديكتاتور يُبعث من جديد.... د. وليد القططي
أقلام وآراء

بقلم/ د. وليد القططي

الديكتاتور كلمة لاتينية الأصل تعني المُستبد، وجذورها التاريخية رومانية حيث كان الرومان أثناء الأزمات الكُبرى يُعطلّون مجلس الشيوخ والحياة الديمقراطية ويسلمون السلطة كاملة لأحد القادة العسكريين ليتصدّى للخطر المُهدد للدولة ويُخرجها من أزمتها.

والديكتاتورية نظام حكم شمولي مُطلق قائم على الاستبداد، والاستبداد كما عرّفه عبد الرحمن الكواكبي في (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) بأنه: « تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعه، وهو صفة للحكومة المُطلقة العنان التي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب، وهي حكومة الفرد المُطلق الوارث للعرش القائد للجيش الحائز على سلطة دينية». ولقد صُوّرت شخصية الديكتاتور في كثير من الأعمال الأدبية والفنية والدرامية فجسدّت الواقع كما هو.

 

رواية (رائحة مولانا) للأديب أحمد رمضان تناولت موضوع إعادة إنتاج الديكتاتور وتعاقب الحكام المستبدين على إحدى القرى وكيفية سيطرة ديكتاتور على الحكم بعد أن خلع ديكتاتوراً سبقه.. وتنتهي الأحداث بموته وبثورة تقضي على خليفته قبل أن يجلس على العرش ولكنها تُمهّد الطريق لديكتاتور آخر وكأن قدر القرية ألاّ تنعم بحكم ديمقراطي حر. والرواية تصور تشابه الطغاة في صفاتهم رغم اختلاف أسمائهم ومنها: اقترابهم من تأليه أنفسهم وكأن لسان حالهم يقول « أنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى «، واحتكار الحقيقة المطلقة وفق الشعار الفرعوني « مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ «، وزعمهم أن إرادتهم هي إرادة الشعب بل إرادة الله تعالى، والاستخفاف بشعوبهم لكثرة طاعتهم لهم خوفاً وطمعاً، وإتباعهم لمبدأ مكيافيللي في كتابه (الأمير) القائم على الغاية تبرر الوسيلة، وتقديسهم لذواتهم في نرجسية مركبة من صفتي العُجب والكِبر.

 

مسرحية (الزعيم) للكاتب فاروق صبري والمخرج شريف عرفة تدور أحداثها حول ديكتاتور يُحيط نفسه بحاشية فاسدة اختارها من الشعب واصطنعها لنفسه لتصبح عيوناً له تترصد تحركات الشعب وسياطاً بيده تُلهب ظهورهم، وتتحوّل إلى شركاء الطاغية في قتل شعبهم وسرقة قوتهم. وتتطور الأحداث عندما يموت الطاغية فجأة فتُخفى الحاشية نبأ وفاته لتضمن استمرار وجودها وبقاء نفوذها والحفاظ على مصالحها، وتهتدي إلى حيلة تأتي فيها بأحد أفراد الشعب بينه وبين الحاكم شبه مُتطابق ليقوم بدور الزعيم أمام الشعب ليُبعث الديكتاتور من جديد ويُنتح الطاغية مرة أخرى، في تصوير واقعي لما يحدث في الحقيقة وكأنها صناعة للزعيم المستبد يُشارك فيها فئات عديدة من السياسيين الفاسدين ورجال الأعمال النفعيين والمثقفين الانتهازيين والثوريين المزيفين والإعلاميين المرتزقين، ويُقدّم فيها الديكتاتور للشعب كمنقذٍ وحيد ومهدي منتظر ومسيح مُخلّص.

 

فيلم (شيءٌ من الخوف) للأديب ثروت أباظة والمخرج حسين كمال يُجسّد شخصية الطاغية من خلال شخصية (عتريس) حيث يفرض سلطته على أهل القرية من خلال زرع الخوف في قلوبهم بواسطة عصابته بالعنف والإرهاب إلى أن تتحداه (فؤاده) وترفض  الزواج منه فيتزوجها بالإكراه والخداع ولكنها تتمرد عليه وتصر على عدم تسليم نفسها له مما يُشجع أهل القرية على كسر حاجز الخوف من الطاغية والثورة عليه وقتله بعد أن هربت عصابته الإجرامية عندما تأكدت من خسارة المعركة أمام الثورة. والفيلم يوضح الآلية التي يحكم بها الديكتاتور شعبه وهي زرع الخوف في نفوسهم بالعنف والإرهاب أو بخلق الوهم حول قدراته أو بتهديدهم بخطر الأعداء من الخارج والداخل، والفيلم يؤكد أن لا وجود للطاغية المستبد إلاّ بوجود شعب سكن الخوف قلبه ثم استخفه فأطاعوه، وبمجرد أن ينزع الشعب عن جسده رداء الجبن ولباس الخور ويستأصل من نفسه داء الوهن وآفة العجز ويكسر حاجز الخوف وعقبة الرعب ينتهي حكم الديكتاتور على الفور.

 

ولعلماء السلطان دورٌ في بعث الديكتاتور من جديد وإعادة إنتاج الطاغية وتجديد زمن الاستبداد من خلال إصدار الفتاوى لوجوب طاعة الحكام المستبدين والولاء لأنظمة الحكم الظالمة، والتنظير الديني لشرعية أنظمة الاستبداد السياسي كإمارة التغلب والسيطرة على السلطة بالقوة، والتأصيل الشرعي لحصر اختيار الحاكم في فئة صغيرة من أهل الحل والعقد، وإسقاط حق الشعب في المشاركة بالحكم واختيار حكامه، وربط معصية الحاكم بمعصية الله تعالى، ولي عنق النصوص الدينية لتصبح الشورى مُعلمة اختيارية وليست مُلزمة إجبارية للحاكم، وقصر نظام الحكم الإسلامي على قوالب نمطية جامدة مستنسخة من أزمنة غابرة تركز على شكل الحكم وتتجاهل جوهره كالشورى والعدالة والمساواة والبيعة والعقد التي تؤكد على مساءلة الحكام ونقدهم وعزلهم إذا أخلوا بشروط البيعة والعقد.

 

وأخيراً قد يُروّج للديكتاتور بأنه مبعوث القدر الإلهي لإنقاذ الشعب، وأمل الأمة البائسة في الإصلاح والتغيير، والضامن الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار، ويُطلق عليه صفات القائد المُلهم والزعيم العبقري والرئيس العظيم والأب الحنون... إلى غير ذلك مما ورد في قاموس العبودية الطوعية ومعجم الارتزاق الفكري وموسوعة الانتهازية السياسية... وخير رد على ذلك ما قاله الفيلسوف المفكر إمام عبد الفتاح إمام في كتابه (الطاغية)» « فحتى لو فرضنا أن للطاغية إيجابيات هامة فما قيمة هذه الايجابيات إذا كان ثمنها تدمير الإنسان وتحطيم قيمه وتحويل الشعب إلى جماجم وهياكل عظمية تسير في الشارع منزوعة النخاع وشخصيات تافهة تطحنها مشاعر الدونية والعجز واللا جدوى؟».

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق