مع قوانين الله في عباده ..(2)

مع قوانين الله في عباده ..(2)
دنيا ودين

أ.محمد شحادة

نكمل إن شاء الله الحلقة الأولى التي كتبناها عن قوانين وسنن الله في عباده وكونه ..

وإن من أول من أدرك هذه الحقيقة وفلسفها وبينها ابن خلدون في مقدمته‏،‏ وذلك في الفصل الذي عقده وجعل عنوانه‏:‏ ‏(‏‏(‏فصل أن العرب لايمكن أن يتبوءوا حضارة إلا بواسطة الدين الذي شرّفَهم الله به‏)‏‏)‏‏.‏ وهذا المعنى هو الذي لاحظه‏،‏ وأشرق في رأسه سيدنا عمر رضي الله عنه‏،‏ وذلك عندما جاء إلى مشارف بلاد الشام وهو مُصِرٌّ على أن يرتدي مرقعته ذات الاثنتي عشرة رقعة‏،‏ وجاء من عاتَبَهُ سراً فقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏أوه يا أبا عبيدة‏،‏ لو غيرك قالها‏،‏ نحن قوم أعزنا الله بالإسلام‏،‏ فمهما طلبنا العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله‏)‏‏)‏‏.‏ أي ينبغي لهؤلاء الأباطرة‏،‏ ولهؤلاء الزعماء في بلاد الشام‏،‏ أن يعلموا أننا لم نصل إلى شأوهم‏،‏ ولم نتغلب حضارياً عليهم بالجهود التي بذلوها‏،‏ بمثل الوسائل الدنيوية التي أتقنوها‏،‏ لا‏،‏ نحن كنا متخلفين عنهم‏،‏ إنما وصلنا إلى شأوهم بل تجاوزناهم بتعرفنا على الله‏؛‏ باصطباغنا بدينه‏،‏ باصطلاحنا معه‏،‏ لذلك فليعلموا‏،‏ هكذا نحن من حيث الدنيا‏،‏ نحن لا نزال كما كنا في أوضاعنا السابقة‏،‏ لكي يتبين للعالم كله أن الفضل ليس عائداً إلى عَرَقِ جبين‏،‏ ليس عائداً إلى فلسفات درسناها‏،‏ إلى معاهد أقمناها‏،‏ إلى جامعات درّسنا ودرسنا فيها‏،‏ لا‏.‏ المسألة عائدة إلى انتشال الله لنا عندما اصطلحنا معه‏،‏ ومددنا أيدينا إليه‏،‏ لنكون عبيداً بالسلوك والاختيار‏،‏ كما قد خلقنا عبيداً له بالقهر والاضطرار‏.‏

 

‏!‏ أرأيتم ـ وأنا أضرب المثل‏،‏ ولله المثل الأعلى ـ إلى قرية كل من فيها متخلفون‏،‏ كل من فيها فقراء مدقعون متشاكسون‏،‏ وأقبل إليهم ملك من الملوك ذو بسطة واسعة‏،‏ وذو قدرة لا تتناهى‏،‏ ونظر إليهم فعطف عليهم‏،‏ ولما شعروا بعطف هذا الملك أقبلوا جميعاً إليه وبايعوه وأعلنوا الولاء له‏،‏ فأعطاهم من ذات يده ما أعطى‏،‏ وأكرمهم من قدراته بما قد أكرمهم به‏،‏ ورعاهم رعاية خاصة بكل ما يملك‏.‏ وإذا بأهل هذه القرية ما بين عشية وضحاها ينتقلون من أقصى درجات الفقر إلى الغنى‏،‏ يتحولون من أقصى درجات التخلف إلى التقدم‏،‏ وإذا بهم من خلال عناية ذلك الملك لهم يصبحون متآلفين متوادين‏،‏ تصوروا أن أهل هذه القرية بعد حين تطوف هذه النشوة برؤوسهم‏،‏ ويرون أنهم قد أصبحوا بين الأمم أمة تذكر‏،‏ وأصبح لهم شأن وأي شأن‏،‏ نسوا اليد التي انتشلتهم‏،‏ نسوا أنهم لم يرتقوا إلى هذه السدة كما ارتقى غيرهم بدرجات العلم والجهاد وبذل العرق ونحو ذلك‏،‏ فتنكروا لذلك الملك‏،‏ تنكروا ليده البيضاء‏،‏ أعرضوا عنه‏،‏ ما النتيجة المنطقية التي سينتهي إليها حال أهل هذه القرية‏؟‏ النتيجة المنطقية أن يستلب منهم هذا الملك تلك المِيَز التي متعهم بها‏،‏ وأن يقول لهم‏:‏ إذن ماد متم لستم بحاجة إلي‏،‏ فارجعوا إلى ما قد كنتم فيه‏،‏ وليتفضل عليكم من كان من الممكن أن يتفضل عليكم‏.‏ ولم يكن يوجد من يتفضل عليهم آنذاك غيره‏،‏ لابد أن يعودوا إلى ما قد كانوا عليه‏،‏ ليس لهم رصيد من عمل استقلالي يعتمدون عليه‏،‏ ليس لهم رصيد من قدرات تقنية علمية يعتمدون عليها‏،‏ رصيدهم يد ذلك الملك‏،‏ فلما تنكروا له تنكر لهم‏،‏ ولما انفصلت هذه الصلة بطبيعة الحال عادوا إلى ما كانوا عليه‏.

هذا هو واقعنا نحن العرب اليوم‏،‏ مهما حاولنا أن نقلد الأمم الأخرى في تقنياتها‏،‏ في قدراتها‏،‏ مهما حاولنا أن نتسكع على درب الوصول إلى العلوم‏،‏ إلى الحضارة‏،‏ إلى المدنية‏،‏ إلى القدرات الاقتصادية‏،‏ غير ذلك‏؛‏ لن نصل إلى ذلك‏،‏ لأن هذه الأمة لم ترتق في تاريخها الغابر الأغر إلا بواسطة الدين‏،‏ وعندما تتنكر اليوم للدين لابد أن تعود القهقرى إلى ما كانت عليه‏،‏ كانت المثل الذي يضرب في التفرق‏،‏ عُدنا اليوم إلى المثل الذي يضرب اليوم في التفرق‏.‏ كانت المثل الذي يضرب في سوء الأخلاق‏،‏ أجل عدنا اليوم إلى هذا المثل ذاته‏.‏ كانت المثل الذي يضرب في الفقر رغم أن أراضيهم كانت منذ ذلك العصر مليئة بالثروات والمدخرات‏،‏ عدنا إلى ذلك الوقت‏،‏ تلك هي سنة رب العالمين أيها الإخوة في حقنا {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب‏:‏ 33‏/‏62]‏.‏

 

ألا ليت أن إخوة لنا من حولنا عن قرب أو عن بُعد يعلمون هذا القانون‏،‏ يدركون معنى قول الله سبحانه وتعالى‏:‏ {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [الإسراء‏:‏ 17‏/‏20] يدركون قول الله سبحانه وتعالى‏:‏ {إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ} [غافر‏:‏ 40‏/‏51] ليت أنهم يقفون وقفة تدبر أمام الكلمة الخالدة لعمر‏:‏ ‏(‏‏(‏نحن قوم أعزنا الله بالإسلام‏،‏ فمهما طلبنا العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله‏)‏‏)‏‏.‏

 

على هؤلاء الذين يتباهون اليوم بتاريخهم الأغر وينتشون‏،‏ فإذا ذُكِّروا بالدين سخروا‏،‏ إذا ذكّروا بكتاب الله أعرضوا‏،‏ إذا ذكّروا بشرعة الله عز وجل تساموا‏،‏ ليت أن هؤلاء يذكرون ماضي هذه الأمة قبل أن يشرق في حياتها هذا الدين الأغر‏،‏ لكي يعلموا أنهم عندما يخلعون ربقة هذا الدين الذي هو مصدر عزهم‏،‏ لابد أن يعودوا إلى أودية الذل التي كانوا يتطوحون فيها‏.‏

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق