أصداء زيارة نتنياهو للهند

أصداء زيارة نتنياهو للهند
عين على العدو

د. ذِكْرُ الرحمن

تشهد العلاقات بين الهند وإسرائيل نمواً مطرداً في مجالي الدفاع والاستخبارات منذ إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين في عام 1992. وقد برزت الهند ببطء باعتبارها أكبر مشترﹴ للأسلحة الإسرائيلية، حيث تذهب 41% من الأسلحة الإسرائيلية التي يتم تصديرها للخارج إلى الهند. بيد أن تصدير الأسلحة الإسرائيلية للهند ليست سياسة جديدة. فقد كانت إسرائيل تمد الهند بحماس بالأسلحة والذخيرة خلال الحرب بين الهند والصين في عام 1962، والحرب بين الهند وباكستان في عام 1971 ومرة أخرى في عام 1996.

 

وكانت الحكومات الهندية السابقة، سواء كانت بقيادة حزب «المؤتمر» أو ائتلاف من أحزاب إقليمية صغيرة، تتجنب تسليط الضوء على هذا التعاون الدفاعي مع إسرائيل، ليس فقط بسبب الحساسيات الجيوسياسية الإقليمية بل أيضاً بسبب موقف البلاد المبدئي بشأن القضية الفلسطينية، بيد أن الحكومة الحالية بزعامة رئيس الوزراء «ناريندرا مودي»، الذي يتزعم حزب «بهاراتيا جاناتا» بأصوله اليمينية الهندوسية القومية، قد أحاطت هذه العلاقات بالسرية. فهو ليس فقط أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل العام الماضي، بل أيضاً يعمل من أجل إقامة شراكة استراتيجية عميقة الجذور وطويلة الأجل بين البلدين.

 

ورداً على زيارة «مودي»، قام رئيس وزراء إسرائيل بزيارة استغرقت ستة أيام للهند بهدف استعادة شعبيته المتضائلة بسبب ادعاءات الفساد وأيضاً لتعزيز الروابط بين مؤيديه اليمينين المتطرفين وعناصر اليمين المتطرف في الهند. وهناك تزايد في محاولات العناصر اليمينية المتطرفة في كلا البلدين لنشر السرد المتعلق بالقلق المشترك بشأن الأمن والمشاركة العامة في نهجه. ولكن الحقيقة هي أن الديناميات الأمنية للبلدين مختلفة تماماً. فإسرائيل هي قوة احتلال، وفي حرب من جانب واحد مع الفلسطينيين ولديها موقف عديم الرحمة تجاههم. أما الهند، فلديها مخاوفها الأمنية الخاصة بها في كشمير، وفي أجزاء من شمالها الشرقي، ولكن هذه تتعلق بالمواطنين الهنود والمحاولات الهندية لاستعادتهم دستورياً.

 

ولكن العناصر اليمينية في كلا الجانبين ما زالت تصر على العصف بمفهوم المخاوف الأمنية المشتركة. فهي تسيل لعابها من فكرة الاجتماع معاً، وهو ليس إلا إطارا شعبياً. فالعناصر الهندوسية المتطرفة ترى إسرائيل كدولة تسحق المسلمين كما لو كانت القضية الفلسطينية ليست قضية استعمار واغتصاب أرض، ولكن قضية إسلامية، وهي ليست كذلك.. هذا مفهومهم وسردهم ضيق الأفق. ومن ناحية أخرى، فإن العناصر اليمينية الإسرائيلية المتطرفة تغذي خطاباً في العقل الهندوسي مفاده أن هاتين الحضارتين القديمتين محاطتان بأعداء مسلمين في غرب وجنوب آسيا، وبالتالي يمكنهم أن يفعلوا الكثير عن طريق التقارب مع بعضهم البعض. ولحسن الحظ، فإن غالبية الناس في كلتا الدولتين غير مقتنعين بهذا السرد.

 

وفي حين أن كلا من نتنياهو ومودي أكدا بشكل كبير على الصداقة التي تجمع بين البلدين خلال الزيارة، لم يتم الكشف عن أي شيء ملموس. ووسط الضجيج الإعلامي وبراعة الأداء، اصطحب «مودي» نتنياهو إلى منزل غاندي في أحمد آباد حيث جلس نتنياهو في المكان الذي اعتاد غاندي أن يجلس فيه لغزل القطن على عجلة يدوية. ولابد أن روح غاندي كانت تدور في ألم في قبره، وهي تنظر إلى مرتكب جرائم الحرب، وهو يجلس في مكانه، ويمسك بعجلة الغزل الخاصة برسول اللا عنف.

 

وعلى الرغم من أن الدولتين وافقتا على التعاون في العديد من المجالات الجديدة بما فيها الإنتاج المشترك للأفلام، واستكشاف حقول النفط والغاز، علاوة على التكنولوجيا المبتكرة، إلا أنه من غير الواضح ما هو شكل هذا التعاون. لكن الوفد التجاري الكبير الذي رافق رئيس الوزراء الإسرائيلي وضم صناع الأسلحة ومقاولين لابد وأن يكون قد خرج ببعض الفرص الملموسة في إطار مبادرة «صنع في الهند». وفي أبريل من العام الماضي، وقعت الدولتان اتفاقاً لشراء معدات عسكرية بقيمة 2 مليار دولار، شملت شراء صاروخ «سبايك» المضاد للدبابات بقيمة 500 مليون دولار. وقبل عدة أسابيع، تم الإعلان عن إلغاء الصفقة لأن الهند قررت إنتاج صواريخها المحلية المضادة للدبابات في إطار برنامج «اصنع في الهند». ولكن قبل أيام قليلة من زيارة نتنياهو قيل إن الاتفاق عاد إلى مساره.

 

وقد شهدت الهند العديد من التجمعات الاحتجاجية من قبل منظمات سياسية واجتماعية وإنسانية وطلاب الجامعات ضد زيارة نتنياهو في عدد من المدن بما فيها دلهي ومومباي. ورأت أحزاب المعارضة أنه من خلال دعوة نتنياهو، فإن حكومة «مودي» تعطي الشرعية لاستمرار احتلال إسرائيل لفلسطين. وتم تنظيم حدث لاجتماع نتنياهو مع صناعة السينما الهندية لجذب المنتجين السينمائيين لتصوير أفلام هندية في مواقع إسرائيلية بهدف الترويج لإسرائيل كوجهة سياحية. وباستثناء بعض النجوم السينمائيين السابقين، تجنبت الغالبية العظمى من كبار صُناع السينما الاجتماع معه. ومع ذلك، فإن فعاليات زيارة نتنياهو للهند كانت أساساً موجهة إلى الجماهير المحلية في إسرائيل. فقد حاول نتنياهو، الذي يواجه انتقادات بسبب تهم تتعلق بالفساد، أن يعزز موقفه من خلال إخبار الشعب الإسرائيلي على أنه حصل على صداقة الهند التي تعد أكبر ديمقراطية في العالم.

 

* رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي

التعليقات : 0

إضافة تعليق