التحدي هنا

التحدي هنا
رأي الاستقلال

رأي الاستقلال العدد (1127)

التحدي هو شعار دائم ترفعه غزة في وجه الاحتلال وفي وجه العالم اجمع, شعب يتحدى الحصار منذ اثني عشر عاما, يتحدى الحروب المدمرة والتي تكررت في العشر السنوات الأخيرة ثلاث مرات, يتحدى الفقر والبطالة, يتحدى الأزمات الحياتية والمعيشية, يتحدى كل أشكال القهر والحرمان في ابسط مناحي الحياة, يتحدى كل المؤامرات والمخططات المحلية والإقليمية والدولية التي تحاك ضده ليل نهار, احصاءات كثيرة خرجت مؤخرا لمؤسسات دولية تحذر من الوضع الإنساني المتدهور في غزة, فنسبة الفقر وصلت إلى 80% والبطالة 60% وتلوث المياه 98%  والتدهور الاقتصادي الذي أدى إلى توقف المصانع وصل إلى 80%, وحرمان ستين ألف فقير غزي من تلقي المساعدات الإنسانية, والتهديد بوقف عمل وكالة الغوث الدولية «الأونروا» التي أعلنت ان ما لديها من مساعدات يكفيها لشهرين فقط, ثم ستصطدم بعد ذلك بالحائط حسب تصريحات مفوض عام «الأونروا» بيير كرهينبول بالإضافة لارتفاع قيمة الضريبة المضافة, ووقف استيعاب الخريجين, والخصومات المفروضة على رواتب الموظفين, وإحالة عدد كبير منهم للتقاعد, بالإضافة إلى إغلاق المعابر, وتدني سعر الدولار, ووقف التحويلات المالية إلى سكان قطاع غزة, والإغلاق المستمر لمعبر رفح الحدودي مع مصر, حتى بعد ان تسلمته السلطة الفلسطينية.   

 

غزة حولها الاحتلال إلى سجن كبير, وحشد العالم كله ضدها, وأرادها ان تكون مقبرة للأحرار والثوار وكل من يسعى للوقوف في وجه المشروع الصهيوني الهادف للسيطرة على مقدرات الأمة, والتحكم في المنطقة الشرق أوسطية, وتمرير رؤية «إسرائيل» للحل النهائي للقضية الفلسطينية, توقفت عند تصريح لما يسمى بوزير الإسكان في حكومة الاحتلال الصهيوني يوآف غالنت أمس الأحد قال فيه «إنه لا توجد مدينة في العالم تمتلك ذكاء نوعياً على مختلف المستويات مثل مدينة غزة». ونقل موقع والا العبري عن غالنت قوله إنه ينبغي دراسة عدة تهديدات في الحرب المقبلة: الشمال والجنوب والشرق والغرب والهواء وباطن الأرض وأيهما هو التحدي الأخطر؟ حتى في الأماكن التي سيتم تطهيرها قد يخرج «مقاتل» من تحت الأرض»كل هذا الرعب من غزة وهى تعيش في أعماق محنتها, فالعدو الصهيوني يعلم جيدا بأن محنة غزة تزيدها قوة, وترسخ رمزية التحدي بشكل أعمق, وتجعل الصمود خيارا لا بديل عنه, وان مجرد التراخي يعتبر خيانة, هكذا عودتهم غزة, وهكذا هم يدركون واقعها, وللأسف هذا لا يدركه الرسميون الفلسطينيون في مقاطعة رام الله, ولا يدركه محيطنا العربي والإسلامي, لذلك لا عجب عندما ترى «إسرائيل» لا تستجيب لتحريض أمريكي أو عربي لضرب غزة, فهي تدرك ان لهذا ثمناً باهظاً يجب ان تدفعه, ولذلك فإنها تعيد حساباتها ألف مرة قبل ان تقدم على حماقتها بضرب غزة, أو شن حرب جديدة على القطاع, ولا تفكر مجرد تفكير في العودة لاحتلال غزة مجددا.

 

أزمات غزة لن تنتهي عند هذا الحد, فهناك حالة من التنافس بين «أنظمة عربية» لتقديم قرابين لأمريكا و»إسرائيل» من خلال التماهي مع رؤية «إسرائيل» للحل النهائي للقضية الفلسطينية, وتمرير ما تسمى «بصفقة القرن» الأمريكية, وهذا على حساب القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني, وكسر إرادة الصمود والمقاومة لدي الشعب الفلسطيني كله, والذي يمضي بمقاومته, ويعزز من انتفاضته, ويعدد من خياراته في مواجهة الاحتلال, كما ان الإدارة الأمريكية تدرس فرض مزيد من العقوبات ضد السلطة الفلسطينية لأنها لا تزال ترفض الجلوس لإجراء محادثات مع «إسرائيل»، حسب القناة العبرية الثانية, رغم ان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تراجع خطوات إلى الوراء بإعلانه انه مستعد للعودة  للمفاوضات بشرط مشاركة مصر والأردن فيها,  لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد تركيع السلطة وإذلالها, فهدد بأنه سيواصل قطع المساعدات المالية عنها, وسيقوم بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن,  وإرسال مبعوث منظمة التحرير الفلسطينية إلى رام الله, والغرض ان تأتي السلطة إلى المفاوضات منكسرة ومحملة بأثقال الهزيمة, حتى تقبل بأية حلول للقضية الفلسطينية مهما كانت تنتقص من الحقوق الفلسطينية.

 

نعم التحدي هنا في إرادة الشعب الفلسطيني وصموده, في فهمه لطبيعة الصراع مع هذا الاحتلال البغيض, في إدراكه لواجبه نحو هذه الأمة التي يجب ان تنبعث من جديد, وتستفيق من غفلتها وتؤدي واجبها نحو أقدس مقدساتها, لن نعدم الوسيلة التي نستطيع من خلالها انتزاع حقوقنا من بين أنياب الاحتلال, وسنبقى نراهن على شعبنا وأمتنا, فالأمم والشعوب تستطيع أن تقهر المستحيل وتصنع المعجزات, والضربة التي لا تميتنا تزيدنا قوة.    

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق