التطبيع وتهميش القضية الفلسطينية.. د. سمير زقوت

التطبيع وتهميش القضية الفلسطينية..  د. سمير زقوت
أقلام وآراء

بقلم/ د. سمير زقوت

يعتبر التطبيع المسمى الاتفاق الابراهيمي جريمة لا تغتفر بحق فلسطين وشعبها، فالتطبيع يؤدي الى تهميش القضية الفلسطينية، وخلق عدو جديد اسمه إيران وحرف البوصلة، عن طريق إقامة علاقات طبيعية مع عدو العرب والمسلمين "اسرائيل". يمكن القول أن التطورات الإقليمية تسير بأسرع مما يتصور أصحاب التفكير التقليدي في فلسطين , فالصراع العربي الاسرائيلي اليوم تحول الى صراع فلسطيني اسرائيلي , وصراع فلسطيني فلسطيني , وما كان يعرف تاريخياً بالصراع العربي الإسرائيلي انتهى , أو تغيرت قواعده بشكل جذري على الاقل , ولعل التطبيع قد نقل إسرائيل من دولة عدوة الى دولة صديقة.

 

في الخامس عشر من شهر يوليو المقبل سيحل الرئيس الأمريكي جو بايدن ضيفاً على المنطقة في زيارة تشمل السعودية، اسرائيل، مصر، الاردن، وفلسطين، وقد بدأ الترويج الى أن الهدف الرئيس لتلك الزيارة هو بناء تحالف أمريكي اسرائيلي عربي لمواجهة الخطر الإيراني الفارسي، في عملية جراحية خطيرة يتم فيها استبدال حقيقة الصراع في المنطقة منذ عام 1948 م، من الصراع مع العدو الإسرائيلي الى الصراع مع العدو الايراني الفارسي. الوقائع على الارض توحي أن الرئيس الأمريكي سينجح في الوصول الى بناء حلف علني وصريح ضد إيران الفارسية، فالصراع في الشرق الأوسط والمنطقة العربية ومنذ مدة طويلة يتم ترتيبه ليصبح مع إيران وليس مع العدو المركزي الكيان الصهيوني، وهنا لا تصبح فلسطين هي القضية المركزية للعرب والمسلمين، بل القضية المركزية هي إيران الفارسية الطامعة بالسيطرة على الوطن العربي. منذ أوسلو 1994م ينزاح الكيان الصهيوني الفاشي نحو اليمين المتطرف الرافض لوجود الشعب الفلسطيني على ارضه الفلسطينية، فاليهودية الحاكمة في الكيان الصهيوني أوصلت لأول مرة أحد عتاة المستوطنين ليصبح رئيس وزراء للكيان نفتالي بينت صاحب القبعة. هذه مرحلة تاريخية فارقة تسير نحو تهميش القضية الفلسطينية، وبداية ظهور الكانتونات السبعة في الضفة وغزة بدلاً من تأسيس الدولة الفلسطينية فوق أرض الوطن، كانتونات تحاول تغييب الدولة الفلسطينية من أطلس الجغرافيا.

 

ويمكن القول إن الطغمة الفاشية الحاكمة في اسرائيل حققت انتصارات عظيمة، وذلك بتثبيت مشروعها التوراتي التهويدي في الضفة الغربية بشكل عام وفي القدس بشكل خاص، واستطاع حكام اسرائيل التوراتيين أن يجعلوا ترامب رئيس أمريكا يعلن القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني الجديد، وكان ذلك في 6 ديسمبر 2017 م، وتم نقل سفارة أمريكا من تل أبيب إلى مدنية القدس الفلسطينية المحتلة، وتحقق حلم المشروع التوراتي التهويدي. عملت الإدارة الأمريكية وبعض الأطراف العربية على تهميش القضية الفلسطينية عن طريق تعميق الانقسام الفلسطيني، وطرح مسألة التمثيل الفلسطيني في الصراع بين الحركات الاسلامية وحركة فتح وفصائل منظمة التحرير على التمثيل، ويمكن القول إن الهدف المركزي لكل ما يحدث هو انهاء منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.

 

حتى العام 2007م فشلت اسرائيل وامريكا في خلق صراع داخلي فلسطيني- فلسطيني , وبخطة محكمة نجحوا عبر لعبة الديمقراطية بإجراء انتخابات للسلطة , كان هدفها الحقيقي هو إدخال الحركات الاسلامية وخاصة حركة حماس الى بنية النظام السياسي الفلسطيني , لخلق صراع داخلي فلسطيني- فلسطيني , وقد خطط الغرب والصهاينة لذلك منذ العام 1989م , وظهر المخطط في كتاب الدولة الفلسطينية خيارات اسرائيلية وغربية , ففي الخيار الخامس ورد ما يلي: " تقوم إسرائيل بسحب قواتها من قطاع غزة من جانب واحد بلا مفاوضات مسبقة أو اتفاق مع أي طرف عربي بما في ذلك الفلسطينيون , ومن الممكن أن تكون الآثار الناجمة عن الانسحاب الإسرائيلي من غزة من جانب واحد صراعاً حاداً داخل القطاع بشأن السلطة بين وطنيين علمانيين مدعومين بعناصر من منظمة التحرير يأتون من الخارج , وبين مسلمين أصوليين يتمتعون في غزة بقوة أكبر من قوتهم في الضفة الغربية, وأياً تكن النتيجة , فان الدويلة في غزة ستلهب نزاعاً مطرداً باستمرار مع إسرائيل , ولن يجني أي من الفلسطينيين فائدة فورية منها.

 

ما سبق مقتطفات من الكتاب الذي نشر في العام 1989م , وللأسف لم يستطع الفلسطينيون قراءة الواقع ووقعوا في فخ نصبه الاحتلال وانقسموا في 2007م , وحارب الاخ اخاه وما زالت آثار المصيبة تتفاعل حتى يومنا هذا , صحيح أن كل الطرق والوسائل مهدت لهزيمة فتح وليس انتصار حماس , ففي الحروب الاهلية لا يوجد منتصر (الكل مهزوم ) , فتح اليوم تعيش التشرذم والتشظي , تشظي فتح والانقسام مهد الطريق لتحقيق الحلم الصهيوني , تم فصل جناحي الوطن الضفة وغزة , وتم خلق أكثر من عنوان للتمثيل الفلسطيني عنوان في رام الله وآخر في غزة , ويتم التعامل مع كلا العنوانين وفقا لما يخدم السياسية الصهيوأمريكية.

 

الانقسام الفلسطيني شكل الاختراق الحقيقي الذي حدث في المنطقة، وأعاد ترتيب الجدول لتصبح الدولة اليهودية الصهيونية الفاشية ركناً مركزياً في الحضور السياسي – الأمني والاقتصادي عربياً، ولم يعد يعتبرها معظم الرسميون العرب عدواً، وبعض العرب أصبح يعتبر حماس والجهاد عدواً فهما ذراع إيران في المنطقة العربية، ورغم ذلك يمكن القول إن الشعوب التي تمتلك ذاكرة الانتماء والوعي الجمعي العام ما زالت تعتبر الكيان الصهيوني عدواً ذلك أن وعي الشعوب يفوق وعي الحكام والنظم الرسمية. الانقسام الفلسطيني صناعة أمريكية – إسرائيلية، ويساهم في هذا الانقسام الفلسطيني بعض الدول العربية والسياسيين العرب خدمة لإسرائيل وأمريكا.

 

الانقسام الفلسطيني غير ترتيب الأولويات، وكسر أسس الصراع، بما يؤسس لملامح عهد جديد، تسيطر فيه اسرائيل على كل الوطن العربي والاسلامي ويتحقق الحلم أرضك يا اسرائيل من النيل الى الفرات. الترتيبات الجديد للإقليم في جوهرها كما تتمنى الإدارة الأمريكية ورئيسها جو بايدن في رحلة يوليو 2022 م هي تثبيت للتطبيع وجعله شرعياً وجماعياً، والتأسيس لدمج دولة الأبرتهايد الاسرائيلية لتصبح جزء طبيعي من العالم العربي، وليس غريباً أن تصبح اسرائيل عضو في الجامعة العربية، وأن يتم نقل مقر الجامعة ليصبح في القدس بدلاً من القاهرة. كي لا يستمر الوهم انتهى زمن أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، وأن الصراع العربي الإسرائيلي صراع مركزي، فلسطين بالنسبة للمطبعين تهمشت وتهشمت، ويمكن استخدام فلسطين أحياناً لتمرير ما يخدم من يريد استخدامها لأجندات خاصة، أما الصراع العربي الإسرائيلي فانتقل الى مرحلة متقدمة من الصداقة والتعاون على طريق التكامل.

التعليقات : 0

إضافة تعليق