لماذا جنين؟ كتيبة جنين وانتفاضة الضفة الغربية.. راغدة عسيران

لماذا جنين؟ كتيبة جنين وانتفاضة الضفة الغربية.. راغدة عسيران
أقلام وآراء

بقلم: راغدة عسيران

أقدمت قوات الاحتلال الصهيوني على اغتيال ثلاثة مقاومين فجر يوم 17/6/2022، بكمين نصبته في الحي الشرقي من مدينة جنين، ما أدى لاستشهاد براء لحلوح، ويوسف صلاح وليث سرور، من "سرايا القدس- كتيبة جنين"، بعد عام على نصب كمين مماثل، استهدف المقاوم ومجدّد الاشتباك مع العدو ومؤسس الكتيبة، الشهيد جميل العموري، قرب مقر جهاز الاستخبارات التابع لسلطة رام الله، في شارع نابلس بمدينة جنين، واستشهد يومها عنصران من هذا الجهاز، الملازم أدهم عليوي والنقيب تيسير عيسة.

 

وخلال السنة الجارية، نصبت قوات الاحتلال كمائن أخرى لاغتيال المقاومين، في نابلس حيث استشهد في يوم 8/2/2022 المقاومون إبراهيم النابلسي وأدهم مبروك ومحمد الدخيل، من كتائب شهداء الأقصى. كانوا في زيارة قبر الشهيد جميل العموري، قبل استشهادهم، كما كتبت والدة الشهيد العموري: "بالأمس ذهبوا ليلتقطوا صورة تذكارية عند دوار الجميل، واليوم أصبحوا بجواره إلى جنات الخلد أيها الأبطال، هنيئاً لكم الشهادة بجوار جميل." وفي فجر يوم 2/4/2022، الموافق الأول من رمضان 1443، استشهد المجاهدون صائب عباهرة وخليل طوالبة من محافظة جنين، وسيف أبو لبدة من محافظة طولكرم، على مفترق عرابة، في كمين مماثل، وجميعهم من "سرايا القدس".

 

تدلّ هذه الكمائن المنصوبة لقتل المقاومين في الضفة الغربية المحتلة، وخاصة مجاهدي "سرايا القدس- كتيبة جنين"، الى أن الجيش الإرهابي الصهيوني قرّر، بعد معركة "سيف القدس"، منع تصاعد روح المقاومة في الضفة الغربية، التي مثّلها الشهيد البطل جميل العموري. منذ ذلك الحين، وخاصة بعد العمليات الفدائية التي نفذها شباب فلسطين، من الداخل المحتل (الشهيد محمد أبو القيعان والشهيدين أيمن وإبراهيم أغبارية) ومن الضفة الغربية، منطقة جنين تحديدا (الشهيدان ضياء حمارشة من يعبد ورعد خازم من مخيم جنين) قرر العدو المجرم قتل المجاهدين والقضاء على إمكانية توسّع دائرة المقاومة الى باقي أنحاء الضفة الغربية والقدس المحتلتين، قبل أن يتجاوب معها شباب اللد وعكا وغيرها من مدن الداخل المحتل عام 1948.

 

ما قدّمه الشهيد جميل العموري، "مجدد الاشتباك"، يجسّد بكل معانيها المقولة الرائجة لدى حركة الجهاد الإسلامي، "الواجب فوق الإمكان"، حيث أن الإمكان في زمن الاحتلال الاستيطاني الوحشي والتنسيق الأمني البغيض، واتفاقيات أوسلو المشؤومة التي سمحت للعدو من تقطيع الضفة الغربية، أصبح مستحيلا أو شبه مستحيل، خاصة إذا أُخذت بعين الاعتبار تداعيات عملية التطبيع "الإبراهيمي" في المنطقة على القضية الفلسطينية، وتواطؤ المجتمع الدولي مع المحتل.

 

رغم ذلك، ولأن معركة "سيف القدس" مدّت المجاهدين بالعزيمة وأثبتت وحدة الجبهات، في فلسطين على الأقل، ولأن الواجب يعني مقاتلة العدو، مهما كان متوحشا، ومهما امتلك من تقنيات عالية تدعم توحّشه، اتخذ الشهيد البطل جميل العموري القرار بقتاله وبتشكيل كتيبة لمقاومته ومنعه من التوغل في حياة الفلسطينيين، وقد ساعدته في مهمته بيئة مخيم جنين ومنطقة جنين عامة، الحاضنة للمقاومة.

 

لماذا جنين ومنطقتها، في حين أن الضفة الغربية ومخيماتها، وخاصة مدينة القدس، تعاني من الإرهاب والاحتلال والتهويد والاستيطان والقتل اليومي والاعتقال، والحواجز، وهدم المنازل؟  لماذا منطقة جنين ومخيمها، في حين ان انتفاضة الأقصى عمّت المدن والمخيمات كلها، وأن الشباب المنتفض والمقاوم خرج من كل المناطق؟ ما الذي جعل مخيم جنين، أن يصبح "عش الدبابير" مجددا بالنسبة لكيان العدو أو "جمهورية حركة الجهاد الإسلامي" في الضفة الغربية كما كتبت إحدى الصحف الصهيونية، للتحريض على الحركة وعلى "كتيبة جنين" بالذات؟

 

يجيب القيادي في حركة الجهاد الإسلامي والأسير المحرر أسامة الحروب على بعض هذه الأسئلة، عندما يتحدّث عن شهداء المخيم الذين ارتقوا في الفترة الأخيرة، بالقول: أولا أن الجيل الجديد، الذي لم يشهد معركة مخيم جنين في العام 2002، والذي ينتمي اليه معظم الشهداء، هو جيل "جميل العموري" أو جيل "أسامة ابن زيد" وهو الجيل الذي آمن به القائد الراحل رمضان شلح، عندما طالب بـ"إعطاء الفرصة للجيل الجديد، جيل انتفاضة القدس" قائلا: "واجبنا ومسؤوليتنا هي أن نأخذ بيد هذا الجيل ونفسح له الطريق كي يتقدم المشهد" (في ذكرى الـ29 للانطلاقة الجهادية). تشير أعمار الشهداء والأسرى الذين تم اعتقالهم خلال السنوات الماضية الى أن أكثريتهم تترواح بين 20 و30 عاما.

 

ثم يواصل القيادي أسامة حروب بالقول أن هذا الجيل عاش على ذكرى بطولات وحكايات المقاومين، من أسرى وشهداء، فهذا الجيل شهد مسلسل الإجرام الذي تعرّض اليه المخيم على مدار 20 عاما.. و"حمل هذا الجيل الاسم والراية والهمّ وصور الشهداء، وتربى على ذكريات البطولة"، يرى صور الشهداء في أزقة المخيم، يعيش بين عوائلهم، حمل أسماء الشهداء كالعمّ أو الأخ. ويضيف "لقد فهم هذا الجيل الرسالة، لماذا استشهدوا، ولماذا تم هدم بيتهم، وفهم مغزى مقاومتهم، وفهم أن هنالك أمل بالمقاومة، فحمل الأمانة". هذه إحدى ميّزات أهل مخيم ومنطقة جنين، حيث لم يتنكّروا لبطولات آبائهم واستمرّت شعلة الثورة تغلي في أعماقهم، لأنهم ما زالوا يعيشون تحت الاحتلال، ولم ينجرّوا الى أوهام السلطة، حيث ذاقوا الملاحقات والاعتقالات من قبل أجهزتها الأمنية، كما عاشوا عذابات السجون الصهيونية والإذلال على الحواجز العسكرية.

 

لكن الأهم أن روح التمرّد على الواقع بقيت مشتعلة بفضل تنظيم سياسي جهادي لم يدخل في معارك جانبية، كالانتخابات حيث تقدم برامجها المختلفة أوهام الاستقلال والسيادة والنمو تحت الاحتلال، ولم يسوّق لمنظمات المجتمع المدني التي حاولت تغيير وعي الشباب لصالح بقاء الاحتلال والتعايش معه. فقاوم أعضاءه في السجون عبر الإضراب عن الطعام، المتنقل من أسير الى آخر، وحفّز الجماهير على المقاومة خلال المهرجانات والوقفات التضامنية مع الأسرى، ولم يترك مناسبة إلا وكان يرسّخ الوعي بضرورة مقاومة المحتل.

 

من ناحية أخرى، ما هي المحفّزات والمعوّقات لانتقال تجربة "كتيبة جنين" الناجحة، الى المناطق الأخرى، لتشكيل انتفاضة عارمة مسلحة وشعبية ضد الاحتلال ومستوطنيه؟ لا شك أن المحفّزات هي ممارسات الاحتلال الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني، الذي بات يعرف أنه لا يمكن التخلص منه إلا من خلال المقاومة، بعد فشل تجربة السلطة الفلسطينية من إقامة دولة مستقلة سيادية على جزء من الأرض الفلسطينية، وعجز المقاومة الشعبية وحدها، خاصة إذا كانت تحت عباءة السلطة، من الحفاظ على الأرض وكنس العدو. وأهم المحفزات لمقاومة المحتل يتمثل بتعلّق الشعب الفلسطيني بحريته وبتاريخه الثوري والمقاوم ضد الأجنبي وبوعيه لخطورة المرحلة. أما المعوّقات، فهي كثيرة، أولها تجزئة الضفة الغربية الى مناطق معزولة ومحاصرة من قبل العدو، تناضل كل قرية أو بلدة لحماية أرضها وصد المستوطنين، ثم أن وجود السلطة وأجهزتها الأمنية التي تلاحق وتعتقل المقاومين، وتقتل من خالفها الرأي وتتحكم برزق المواطنين، وتوظّف "على الهوية السياسية". ثم إشاعة أكاذيب الاحتلال وأجهزته حول الرفاهية والنمو الاقتصادي للمناطق "الهادئة"، وفقا لسياسة "فرق تسد" المستخدمة من قبل كل القوى الاستعمارية.

 

ولكن، ضمن هذا الفصل الاحتلالي بين المناطق، تمكّنت كتيبة جنين من الولادة والتطورّ، لأنها تقف على أرض صلبة تتمتع بالوحدة المجتمعية في هذه المنطقة الفقيرة نسبيا، وبالوحدة الميدانية بين المقاومين، منذ انتفاضة الأقصى وما قبلها، وهي الوحدة المطلوبة لمواجهة الاحتلال الصهيوني ومستوطنيه، ولبناء حاضنة شعبية واسعة حول المقاومة ولحمايتها ورفدها بالمجاهدين والمقاومين. لقد حاولت السلطة وأجهزتها الإدارية والأمنية تمزيق هذه الوحدة، وافتعال المشاكل، كما تفعل في المناطق الأخرى، وإثارة النعرات الحزبية والعائلية، لأنها فاسدة ومفسدة، وترى استمرار وجودها بإثارة الفتن والتنسيق مع المحتل والرضوخ للأجنبي المموّل. إلا أنها فشلت في منطقة جنين ومخيمها بالذات، وأحد أسباب فشلها هي العلاقات المميّزة بين المقاومين من كافة الفصائل، وخاصة بين كتائب شهداء الأقصى وسرايا القدس، المعمدّة بالدم والاعتقال والسلاح والمعارك المشتركة، التي تظل أقوى من محاولات السلطة وأجهزتها، كما ثبت ذلك في عملية الهروب الكبير من سجن جلبوع، حيث شارك بها قائد كتائب شهداء الأقصى في منطقة جنين، المقاوم زكريا الزبيدي، الى جانب خمسة أبطال من حركة الجهاد الإسلامي، وحيث خاض مؤخرا هذا البطل إضرابا عن الطعام لمساندة إخوانه المضربين، خليل عواودة ورائد ريان، ليسجّل أروع أمثلة الوحدة الميدانية التي لا تكسرها المصالح الضيقة.

 

لكن يبدو أن هذه الوحدة الميدانية لم تنجح في كافة المناطق، بسبب سيطرة السلطة وحركة فتح أو بعض أجنحتها، عليها. وهذه إحدى معوقات توسّع ظاهرة "كتيبة جنين" نحو المناطق الأخرى في الضفة الغربية، رغم ولادة "كتيبة طولكرم" و"كتيبة نابلس" قبل أسابيع والإعلان مؤخرا عن ولادة "كتيبة الخليل". بسبب تجزئة الضفة الغربية المحتلة الى معازل، قد يكون تشكيل كتائب محلية تقاوم الاحتلال، المخرج الأنسب لتوحيد المجتمع حولها وتوحيد المقاومين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق