رسالتي إلى الآباء.. احمد المدلل

رسالتي إلى الآباء.. احمد المدلل
أقلام وآراء

كتب/ احمد المدلل

من أهم وأدق الصناعات في حياة الانسان هي " تربية الأبناء " لما لها من تأثير على مستقبل العائلة والمجتمع والأمة. فالأصل في التربية هو البيت (الأسرة) لأن الموجّه الأول والأساس للطفل هما الوالدان او احدهما إن كان الآخر غائباً.  كل والد يريد لولده الخير كله ويُسعده ان يرتقي ولده إلى أعلى درجات سُلّم المجد، وكل والد على استعداد لأن يضحى في سبيل راحة ولده براحته وسعادته وبماله ووقته، ولكن ما هو الخير الذي يريده كل والد لولده أهو الصحة والعافية والشباب والجمال أم هي الشهادة العالية والتخصص النادر والمال الوفير والجاه العريض أم هي الزوجة ذات الحسب والنسب وامتداد الذرية وكثرة الابناء؟ ... ما هو الميزان الذي يزن الوالد به الامور فيعرف الصالح فيأخذه ويدرك الطالح فينبذه؟ ... هل الخير والسعادة لولده يكمنان في قوة الايمان وصلابة العقيدة أم الاجتهاد في العبادة والرغبة في الآخرة أم قوة الإرادة ومتانة الخُلُق واستقامة السيرة أم المساهمة في اصلاح المجتمع ومحاربة الفساد والانحراف الذي يصيبه؟

 

إن كثيراً من الآباء يهتمون بدنيا أبناءهم ثم لا يعنيهم بعد ذلك إذا كان الولد صالحاً أو طالحاً.. لا يقفون كثيراً عند آخرة أبناءهم لأنهم مشغولون بإصلاح دنياهم ، فما قيمة ان يحوز الولد الدنيا كل الدنيا إذا كان قد خسر الآخرة ... لقد استوقفتني كثيراً وصية لقمان لابنه التي يعرضها لنا القرآن الكريم مؤكداً في بداية عرضها أنها تصدر من رجل حكيم في تطلعاته عاقل في توجيهاته يضع الأمور في مواضعها الصحيحة (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لقمان - ١٢، ثم حدثنا عن خارطة الطريق التربوية الأصولية الواجب اتباعها لتحقيق الهدف المرجو من تربية الأبناء " وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم " لقمان - ١٣ "يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ .يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى ما أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ .وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ .وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ " لقمان ١٦-١٩ ، إنها وصية شاملة جامعة فيها العقيدة والعبادة والمعاملات والأخلاق والسلوك ، إنها منهاج عمل لكل أب مسلم يُعتبر الأسوة والقدوة لما يجب أن يهتم به في تربية ولده توجه نظره إلى أمهات الفضائل التي ينبغي أن يحاول غرسها في نفس طفله ويبدأ بالبناء العقائدي من خلال قضيتين أساسيتين ( التوحيد الخالص واليقين بالحساب والجزاء في الآخرة على كل صغيرة وكبيرة ) وهما أصل عقائد الاسلام ولا يستقيم ايمان عبد إلا بالتوحيد الخالص واليقين الجازم بالحساب في الآخرة ..

 

 ثم يأمره بالصلاة التي هي عمود الدين وهى الفيصل بين المؤمن والكافر وأول ما يحاسب به العبد يوم القيامة فإذا قُبلت قُبل سائر عمله وإن ردت رد سائر عمله ولها مزية فريدة ذكرها الله بقوله " وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " ، ثم يريد لولده ان يكون له دور في المجتمع فيكون مراقبا للأحداث يقظا لمجريات الأمور فلا يعيش على هامش الحياة وألا يكون إمّعة يقبل بحياة القطيع ، يجب عليه مواجهة الظلم والانحراف ، نعم ، سيعترضه الباطل بجبروته وبطشه ويلاقى المحن والعذابات لكنَّ سلاحه هو خُلُق الصبر وقوة الارادة .. وفى مجال التعامل مع الآخرين يأمره بأم الفضائل التواضع ولين الجانب وينهاه عن أم الخبائث التكبر على الآخرين والاستخفاف بهم.. ثم يأمره بخفض الصوت في الحديث لأن ذلك من الحياء الذى هو أحد شعب الايمان أما الصياح والصراخ أثر من قلة الحياء، وضرب الله لمن يرفع صوته أشنع الأمثال (الحمير)... إنها التربية القائمة على الأصول الشرعية والتي تعتمد على الامر الإلهي (يوصيكم الله في أولادكم) ( وأْمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) وكذلك السنة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم (ما مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ ) رواه البخاري ومسلم ..

 

أعلمُ مدى الصعوبة التي نواجهها ونحن نحاول تربية أبناءنا التربية السليمة القويمة أمام ضغط الواقع الكئيب والمظلم الذى يُحاصرنا من كل جانب ، المؤامرات على الأجيال كبيرة ، الثقافات الغريبة تغزو حياتنا ، الشخوص والمؤسسات التربوية الضابطة ليست هي التي تربينا في كنفها سابقاً ، كما تغيرت العادات والتقاليد ، واقعٌ سياسي مُدَمّر واقتصادي مرير انعكست آثارهما على واقعنا المجتمعي والثقافي والتربوي والأخلاقي والسلوكي ، ولكن من أجل الحفاظ على ما تبقى من منظومتنا الأخلاقية يتضاعف دور الاب والأم داخل البيت بالحرص على متابعة الأولاد وتوجيههم وإرشادهم حتى ينالوا سعادتي الدنيا والآخرة ولنتذكر دائماً قول الله تعالى( ولْيَخْشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذريةً ضعافاً خافوا عليهم فلْيتقوا الله ولْيقولوا قولاً سديداً )النساء-٩، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ) متفق عليه .

التعليقات : 0

إضافة تعليق