تناقضات الاحتلال.. بين القيم الليبرالية والتجييش العنصري الديني.. سامي العلي

تناقضات الاحتلال.. بين القيم الليبرالية والتجييش العنصري الديني.. سامي العلي
أقلام وآراء

بقلم: سامي العلي

نجحت التعددية الحزبية والأيديولوجية في "إسرائيل"، على مدار عقود، في تضليل الرأي العام المحلي العربي والعالمي على حد سواء. للوهلة الأولى ينبهر المشاهد بهذه التعددية وليدة الديمقراطية المدعاة "لإسرائيل"، مع العلم بأنها قناع لتلميع وجه "إسرائيل" في العالم، ولتحقيق المشروع الصهيوني الاستعماري في أرض فلسطين. كما تلعب التناقضات "الشكلية" بين التيارات والحركات السياسية "الإسرائيلية"، دوراً مهماً في إقامة دولة "إسرائيل" الكبرى. هذه التناقضات، التي تطفو بقوة قبيل كل انتخابات إسرائيلية، وتثير جدلاً واسعاً وصاخباً، بين الأحزاب الصهيونية المنافسة، والمتراوحة على محور اليمين والوسط واليسار، ما هي إلا تكتيكات انتخابية وسياسية ودعائية، وبرنامج ممنهج يطبقه الاحتلال في سبيل فرض السيادة والهيمنة. من خلال هذا التحليل والاستعراض، سنبرهن حقيقة متينة، تكشف بأن التناقضات بين معسكر اليسار الصهيوني، واليمين القومي التقليدي، واليمين الاستيطاني الديني المتطرف، ليست إلا وهماً وخداعاً.  للوهلة الأولى؛ ومن خلال متابعة السياسة "الإسرائيلية"، وتحليلات الإعلام العبري، والباحثين الإسرائيليين، نشاهد ثلاثة تيارات أيديولوجية مهيمنة متباينة في فكرها وقيمها، وهي اليسار الصهيوني، اليمين الصهيوني القومي الليبرالي، واليمين الاستيطاني الديني المتطرف. لكن في الحقيقة؛ وإن اختلفت هذه التيارات في الشعارات والتصريحات، إلا أنها تتفق على جوهر واحد ووحيد، وهو المشروع الصهيوني الكولونيالي.

اليسار واليمين سواء في خدمة الصهيونية

 

يتمثل معسكر اليسار في إسرائيل بحزبين مركزيين، هما "العمل" و"ميرتس"، بالإضافة للأحزاب العمالية الصغيرة، التي تنشأ وتختفي مع كل انتخابات للكنيست. يعادل هذا المعسكر في الساحة "الإسرائيلية" القطب الآخر المسمى بمعسكر اليمين، الذي يتزعمه الليكود، ويضم بين جنباته الأحزاب الاستيطانية الفاشية والأحزاب الدينية. وتبرز الاختلافات والتباينات الشديدة بين المعسكرين، تجاه القضايا السياسية، وبخاصة السلام مع الفلسطينيين. على مدار عقود، حمل ما يسمى اليسار "الإسرائيلي" (ميرتس وحزب العمل) راية السلام، وهيمن في الماضي على الساحة السياسة "الإسرائيلية"، أما اليوم فيعيش حالة تقهقر، تصل إلى حد الزوال. لم ينعكس تراجع قوة اليسار الصهيوني، على عدد المقاعد القليل في الكنيست فقط، بل أيضا في خضوعه لليمين الفاشي، وهرولته للجلوس في أحضان حكومة يمينية فاشية يترأسها مستوطن، خلافا للمبادئ المعلنة لهذا المعسكر، وعلى رأسها حل الدولتين، وإنهاء الاستيطان، وتحقيق المساواة. لكن كل مراقب ومطلع على التقلبات السياسية "الإسرائيلية"، يدرك بأن معسكر اليسار، لم يناقض قيمه ومشروعه، ولم يخن حلم دولة اليهود، بل كشف عما كان يخفيه وراء التصريحات ومبادرات السلام وطرحه السياسي اليساري الديمقراطي، وهو جوهر صهيوني متماه مع المشروع الاستعماري. أحد البراهين الحديثة؛ هو تأييده لقوانين تشرعن الأبرتهايد والاستيطان، وتنازله عن قيم ليبرالية أممية، في سبيل استرجاع مجده، من خلال ائتلاف هش قارب على النهاية.

 

وما يلاشي الحدود بين معسكر اليسار الصهيوني واليمين الفاشي، هم قادة "إسرائيل" منذ احتلال الأراضي الفلسطينية، الذين ينادون بتحقيق السلام مع العرب، في الوقت الذي يمارسون فيه أعمالاً عدوانية ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع، ويدعمون الاستيطان، يتعادل في ذلك قادة العمل وميرتس مع قادة الليكود. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان حزب الليكود اليميني بزعامة مناحيم بيغن، أول من وقع اتفاق سلام مع دولة عربية، وهو ما لم يفعله حزب العمل اليساري، زعيم "معسكر السلام"، الذي هندس النكبة والتهجير والقتل، إبان النكبة عام 1948. والمراقب لمسيرة هذا التيار وامتداده، لا يميز أية فروقات بين سنوات حكمه وحكم اليمين، إذ ترجما العقيدة الصهيونيّة بسياستهما، وإن اختلفت الأدوات والطرق. لم يصل؛ انصهار اليسار "الإسرائيلي" في الإجماع الصهيوني إلى ذروته عندما رفض حزب ميرتس تطبيقِ حقِّ العودة، بل وصلها عندما دخل معسكر اليسار حكومة يمينية استيطانية، تضم أحزاباً دينية فاشية، لتُسحق قيمه الليبرالية الخادعة أمام جوهر الصهيونية، ويتغلب فكره الاستعماري التهويدي على اليساري. محطات مفصلية عديدة من الصراع فضحت هذا التيار، الذي تلاشى ويصارع من أجل البقاء، وحرص على عدم كسر الإجماع الصهيوني، حتى في العدوان على غزة ولبنان وممارسات الاحتلال اليومية، وما زال يسعى لحمايته، بذريعة الحفاظ على أمن وكيان "إسرائيل".

 

جابوتنسكي... غطاء "إسرائيل" الليبرالي

 

يعتبر زئيف جابوتنسكي؛ من أبرز الشخصيات في تاريخ الحركة الصهيونية، ومؤسس الخط التصحيحي للصهيونية-القومية العلمانية المحافظة، وأكثرها إثارةً للجدل، وقد عاد اسمه إلى الظهور مؤخرًا، في الخطاب العام الإسرائيلي كشخصية مدعاة لليبرالية، لا سيما في خدمة قادة الليكود، وعلى رأسهم نتنياهو، الذي يسعى لوضع نفسه وريثا شرعيا لإرثه، كما يتبناه اليسار الوسط الصهيوني، كبديل يميني "عاقل"، ونموذج ديمقراطي ليبرالي، ونموذج لسيادة القانون والنظام، وربما ليس من المستغرب عودة جابوتنسكي أيضا للمجال الأكاديمي، وفي وسائل الإعلام. تنعكس عودة جابوتنسكي للأوساط الأكاديمية ليس فقط من خلال سيل الدراسات المكرسة لحياته وفكره وعمله، ولا في إعادة نشر كتاباته المختارة، ولكن أيضًا في محاولات مثيرة للاهتمام، لفحص طلابه وورثته وتاريخ الحركة التحريفية ككل. مع ذلك، فإن مراجعة كتابات جابوتنسكي والأدبيات البحثية توفر رؤى تاريخية جديدة، تزعزع الرأي السائد بأن مؤسس الصهيونية التحريفية كان ديمقراطيًا ليبراليًا، بل شخصية تجسد إرث الإمبريالية الليبرالية في القرن التاسع عشر. وهو بذلك لا يوفر بديلاً لممارسات وأيديولوجيات الاحتلال، بل يعكسها ويغذيها.

 

عندما نتعمق أكثر في حقيقة جابوتنسكي؛ نكتشف بأنه نموذج واضح للفاشية الصهيونية، فقد وصف الصهيونية؛ بأنها نموذج معدل عن الفاشية، واختلف معه قادة الحركة الصهيونية، أمثال بن غوريون الذي أطلق عليه اسم (تروتسكي صهيوني)، بسبب تحريفاته للمشروع الصهيوني، بل كتب هو شخصياً عن نفسه: "لم أتفهم صهيونيتي من آحاد هاعام، وما تلقيتها من هرتسل ونوردو، بل تعلمتها من غير اليهود في إيطاليا". ورغم المعارضة، إلا أن الحقائق تؤكد أن العديد من قادة الصهيونية تبنوا مشروعه وعقيدته. يستند جابوتنسكي في مشروعه السياسي إلى مفهوم الوحدة العرقية والقوة، وقد استمد الكثير من عناصر فاشيته الصريحة من تجربته الإيطالية، التي عاش فيها زمن صعود الفاشية واستيلائها على السلطة. وكانت دعواه بالصهيونية الواحدية، أكبر رد على مزاعم تقارب الصهيونية مع الاشتراكية والليبرالية، وقد قال عنه موسوليني "لا بد لكم من دولة يهودية، بعلم يهودي ولغة يهودية، والشخص الذي يفهم ذلك، هو فاشيكم جابوتنسكي".

 

وكان جابوتنسكي يؤمن بجدوى القوة، ويفضلها على وسائل أخرى، ورأى أن الدولة بمجرد أن تقوم ستضطر للعيش بالسيف، واضعاً نظرية لم يتبنَّها خلفاؤه الأيديولوجيون في حزب حيروت ولاحقا الليكود فحسب، وإنما من يعتبرون أنفسهم يساريين واشتراكيين أيضاً. كما عارض جابوتنسكي بشدة إنشاء مؤسسات ديمقراطية، يتم فيها تمثيل متساوٍ لجميع سكان البلاد، كما أعلن في عام 1918: "لم يعد بإمكاننا اقتراح برلمان، أو المطالبة به: إذا كان ديمقراطيًا - فسيكون ضدنا"، وهذا يفند ادعاء أن جابوتنسكي، كان الاستثناء في الحركة الصهيونية السياسية، بل كان القاعدة، والدليل على ذلك؛ تطابق سياسات بن غوريون العمالي الاشتراكي، تجاه الشعب العربي الفلسطيني من حيث الجوهر، مع برنامج جابوتنسكي. لعل الواقعة التاريخية؛ عند نقل أشكول (الاشتراكي هو الآخر) رفات جابوتنسكي، من نيويورك إلى القدس، حيث دفنت في جبل "هرتسل" جنباً إلى جنب مع الآباء المؤسسين، هي إشارة لعدم وجود أي فروق في الجوهر، بين تيارات وأحزاب الحركة الصهيونية.

 

القيادة الدينية في خدمة المشروع الاستيطاني

 

إن انتصار اليمين الديني الراديكالي، برئاسة نفتالي بينت وأتباعه من الصهيونية الدينية، عبارة عن تخليد لآثار إرث كهانا، وهي تقديس كراهية الأجانب، التي باتت واضحة في كل من الليكود واليمين الراديكالي الاستيطاني، ولعل أبرز الشخصيات في حزب "يمينا" الممثلة لإرث الصهيونية الدينية اليوم، هو متان كهانا؛ الذي يشغل نائب وزير الخدمات الدينية، أحد تلامذة الحاخام تسفي يهودا كوك، الذي لا يرى إقامة دولة يهودية اغتصابًا للتقاليد، بل بداية نشطة للخلاص. في مايو/أيار 1967، وعشية عيد "الاستقلال" "الإسرائيلي"، ألقى تسفي يهودا كوك خطبة أمام مجموعة من الطلاب الحاخاميين الحاليين والسابقين. وأعرب عن خيبة أمله العميقة، من خطة التقسيم، التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1947، وبعد مرور ثلاثة أسابيع على خطبته، هزمتْ "إسرائيل" جيوش مصر وسورية والأردن في ستة أيام، واستولت بذلك على أراضي سيناء، والضفة الغربية لنهر الأردن، ومرتفعات الجولان السورية، والقدس بأسرها. وعندما استولى الجيش "الإسرائيلي" على البلدة القديمة في القدس، وأخذها من أيدي الجيش الأردني، أرسل قائد فصيلة عربة جيب لإحضار كوك إلى حائط البراق/ المبكى، وقال كوك: "إننا من موضعنا هذا، نُعْلِم شعب "إسرائيل" والعالم بأسره، أننا قد عدنا للتو، تحت القيادة السماوية، إلى ديارنا، في مرتفعات القداسة ومدينتنا المقدسة. ولن نبرح هذا المكان أبدًا".

 

من وجهة نظر كوك، كان يجري تأسيس مملكة الله في "إسرائيل" التوراتية، على يد القدرة القتالية للجيش "الإسرائيلي". لكنه وأتباعه في المدرسة الدينية، لم يكونوا الوحيدين الذين رأوا الانتصار من منظور خارق للطبيعة. ومن وجهة نظر كثيرين، أصبحت الصهيونية الآن مشبَّعة بالأهمية الأخروية. واكتسبت الصهيونية الدينية، التي كانت هامشية في السياسة "الإسرائيلية"، قوة ليس أقلها بين اليهود الأوائل، الذين جاءوا لبناء المستوطنات في الضفة الغربية. وعلى الفور تقريبًا، استولى هؤلاء المستوطنون على صور أسلافهم العلمانيين اليساريين. إن وصول أيديولوجية الصهيونية الدينية الاستيطانية إلى سدة الحكم، ودخولها ائتلافًا يشمل مركبات ذات أيديولوجيات يسارية وليبرالية ويمينية محافظة، مناقضة لعقيدتها للوهلة الأولى، تؤكد بشكل لا يقبل التأويل، أن الاختلاف في الأيديولوجية لا يفسد الإجماع على جوهر الصهيونية. فهي جزء من الغطاء السياسي للأحزاب الليبرالية واليسارية، التي تخفي حقيقة جوهرها الكولونيالي أمام العالم، مدعية الديمقراطية والمساواة والعدل، إذ تحافظ الأحزاب القومية الدينية الاستيطانية، باختلافها الشكلي المزعوم، على مياه الوجه، بل على قناع إسرائيل الديمقراطي، فالتناقضات مهمة ما دامت تفرز شكليا معسكرات متباينة فكريا، وتخدم المشروع جوهرياً وعملياً.

 

ختاما؛ يمكن الجزم، بأن التناقضات الفكرية داخل الاحتلال حول شكل الممارسات الاستعمارية، وليس حول جوهره، لا تشكل عائقا، أمام المشروع الصهيوني الطامح لإقامة دولة يهودية بين البحر والنهر. فهي تخدم مصالح "إسرائيل" محلياً ودولياً، وتساعدها على تخليد الاحتلال، وتصفية كل أفق لحل سلمي، يفضي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق