التوطين ليس قدراً واقعاً... تيسير الغوطي

التوطين ليس قدراً واقعاً... تيسير الغوطي
أقلام وآراء

بقلم: تيسير الغوطي

يشكك البعض في قدرة الشعب الفلسطيني بل والشعوب العربية مجتمعة على التصدي للمؤامرة الصهيوأمريكية التي يقودها اليوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ممثلا للحركة الانجيلية المتصهينة لإنهاء القضية الفلسطينية لصالح الكيان الصهيوني وأجندته الاستكبارية الظالمة، تلك المؤامرة التي بدأ ترامب بتنفيذها من خلال قراره المشئوم بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني والعمل على نقل سفارة بلاده اليها لتأكيد ذلك القرار عمليا ولجعله أمرا واقعا يصعب الفكاك منه.

 

ثم بعد ذلك قراره بتجميد ووقف المساعدات التي تقدمها بلاده لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ، كخطوة أولى على طريق تصفية قضية اللاجئين وإلغاء حق العودة لملايين الفلسطينيين الموزعين في المنافي والشتات، عبر تطبيق الخطوة الأكثر خطورة في هذا الباب وهي خطوة توطين اللاجئين الفلسطينيين كل في البلد المضيف له مستخدما الوعد والوعيد وسياسة العصا والجزرة لإرهاب الدول المضيفة وإجبارها على التعاطي مع التوطين وتطبيقه على أرض الواقع، وليكون ذلك خطوة بديلة في حال فشل مشروع سيناء التي يسعى إليها الكيان الصهيوني عبر ترامب وإدارته المتصهينة، والذي قال في خطابه أمام الجمعية الصهيونية (ايباك) بواشنطن 16/1/2018»إن المكان الوحيد لإقامة دولة فلسطينية هي نصف سيناء»، مضيفا أقول للفلسطينيين لا تضيعوا وقتكم ي ارض إسرائيل بل ابدؤوا بالذهاب نحو سيناء ونحن سنطلب من مصر فتح الحدود بين غزة وسيناء وسنجمع 800 مليار دولار من العالم تدفعها دول الخليج أما أمريكا فلن تدفع دولارا واحدا، وهكذا يجري حل المشكلة نهائيا».

 

الذين يشككون في قدرة الشعب الفلسطيني على التصدي للمؤامرة الصهيوأمريكية بحق اللاجئين، لا يدركون القدرات اللامحدودة واللامتناهية وراء الإرادة والعزيمة إذا ما استفزت عقول وقلوب أبناء الشعوب عموما والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، دفاعا عن حقها وكرامتها وعزتها, وبالتأكيد هم لا يدركون ذلك لأنهم قتلوا إرادتهم وأوهنوا عزيمتهم في الدفاع عن حقهم وحقوقهم، واستسلموا لشهوة المال والسلطان وما يبقيهم في مناصبهم وكراسيهم حتى ولو لبسوا ثوب الذلة والمهانة والصغار وقبل ذلك ابتعادهم عن مبادئ وقيم دينهم وثقافتهم  وحضارتهم التي تقرر وتؤكد على أن الموت بعزة خير من الحياة بذلة، احرص على الموت توهب لك الحياة، ضريبة العزة أفضل واسعد للنفس من ضريبة الذلة والمهانة.....الخ من تلك المبادئ التي رسخها آباؤنا وأجدادنا حتى في عصر الجاهلية التي سبقت الإسلام.

 

إذن التوطين هو أحد الخيارات الأساسية التي يسعى إليها ترامب لإنهاء حق العودة والتخلص من قضية اللاجئين الفلسطينيين التي تؤرق الكيان الصهيوني وقادته، وجعلها جزءا أساسيا في مشروعه لحل القضية الفلسطينية المشهور بصفقة القرن، التي كثرت التسريبات عن محتواها قبل صدورها رسميا.

 

الخطورة لا تكمن في أن ترامب وإدارته المتصهينة تسعى لفرض خطة لحل القضية الفلسطينية وإلغاء أهم القضايا الأساسية (القدس وحق العودة) وإنما في الأنظمة والقيادات العربية التي تحاول فرض هذه الأجندة على الفلسطينيين والضغط عليهم لقبولها والتساوق معها ، وتلك التي تحاول ان تسايرها و تتماشى معها من اجل بقائها وحفظ أماكنها وتقليل الأخطار والمخاطر عليها وعلى مصالحها، فقد تسربت الأنباء عن لقاء جمع بين العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس لبنان سعد الحريري على هامش لقاء منتدى دافوس الاقتصادي (يناير 2018)، حيث حذر الملك الأردني سعد الحريري من مخاطر ما يرسم للمنطقة من جهة حل معضلة اللجوء الفلسطيني على حساب الدول المضيفة، مضيفا أن ترامب عندما تنضج الظروف سيفرض الصفقة دون أن يكون معنيا بخوض مفاوضات مع الأطراف، وسيضع الجميع أمام الأمر الواقع وسيقول لهم هذه هي الخطة وعليكم التنفيذ، والأخطر من ذلك قول الملك «إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مطلع على الخطة وهو يعمل لتسويقها مع الرئيس محمود عباس»، وأنه (الملك) «اضطر للتراجع عن التصعيد بوجه الإدارة الأمريكية بعدما فشل في إقناع الدول الست التي اجتمعت في عمان باتخاذ موقف موحد»، ناصحا السيد سعد الحريري بالاستعداد للقبول بالأمر الواقع وإيجاد حلول واقعية لأزمة اللجوء الفلسطيني ، ومشيرا «أن الأردن يمضي في هذا الاتجاه «.

 

الوقائع على الأرض وما ذكر سابقا تؤكد أن الأنظمة العربية لم تتخل عن الفلسطينيين وقضيتهم فقط، بل تحاول من وراء الكواليس التساوق مع الرؤية الصهيوأمريكية لحل القضية الفلسطينية والضغط على الشعب الفلسطيني وقيادته الرسمية للتساوق مع هذه الرؤية، وهذا يؤكد ما يذهب إليه كثير من المفكرين أن هذه الأنظمة والكيان الصهيوني وجهان لعملة واحدة، هي الهجمة الغربية الاستعمارية على العالم الإسلامي والعربي.

 

في مواجهة صفقة القرن والرؤية الصهيوأمريكية لإنهاء القضية الفلسطينية ،وتخاذل الأنظمة العربية وتخليها عن الفلسطينيين وقضيتهم ، علينا كفلسطينيين أولا وكأبناء حركات مقاومة إسلامية ووطنية أن نعود إلى الحضن الدافئ والقوة الحقيقية المتمثلة بالشعب والجماهير ، والتي ستتحطم عليها حتما كل المؤامرات ، نعود إليها بتوعيتها وتثقيفها بحقوقها والمؤامرات التي تحاك ضدها, والمتآمرين لتنفيذ تلك المؤامرات ، توعيتها بمن يقف معها ويساندها قولا وعملا وتمييزه عن أصحاب المساندة القولية الإعلامية, وفي نفس الوقت الطعن العملي من وراء الستار وخلف ذاك الضجيج الإعلامي، وذلك عبر الندوات والمهرجانات وورشات العمل الفكري و اللقاءات والمقابلات الصحفية والإذاعية ... وصولا إلى حديث المجالس الشعبية، ونعود إليها بتعبئتها ضد المتآمرين عليها للثورة عليهم والتخلص منهم.

التعليقات : 0

إضافة تعليق