الحياء شعبة من الإيمان

الحياء شعبة من الإيمان
دنيا ودين

أ.محمد شحادة

إن خلق الحياء شعبة وخصلة من الإيمان، فمن لا حياء له لا إيمان له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار» (رواه أحمد وابن حبان، وهو صحيح). ولما كان كذلك أحبه الله وأحب المتصفين به من أهل الإسلام، فعن أشج عبد القيس أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فيك خلتين يحبهما الله عز و جل قلت: ما هما؟ قال: الحلم والحياء، قلت: أقديماً كان فيّ أم حديثاً؟ قال: بل قديما، قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما» (رواه أحمد، وهو صحيح). فلا عجب أن كان هذا الخلق هو خلق الإسلام الأعلى حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل ديناً خلقاً، وخلق الإسلام الحياء» (رواه ابن ماجه ومالك، وهو صحيح). فإذا رفع هذا الخلق من بين الناس فقد رفعت من بينهم أعظم نعمة عليهم ألا وهي نعمة الإيمان قال رسول الله: «إن الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» (رواه البخاري في الأدب المفرد). معشر المسلمين، إن خلق الحياء يدعو صاحبه إلى ملازمة الفضائل، والبعد عن الرذائل، ومن الفضائل: القيام بطاعة الله تعالى، ومن تلك الطاعات: العفاف وصيانة العرض. ومن الرذائل ارتكاب المعاصي والذنوب المتعلقة بحق الله، أو بحق الناس، ومن تلك المعاصي خدش جدار العفة ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استحيوا من الله حق الحياء، قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) (رواه أحمد و الترمذي والحاكم، وهو صحيح).

 

- يظل المسلم مراقباً لربه، خائفا من وقوعه في سخطه، ولو تجمّلت له المعاصي بأبهى الحلل، فإن حياءه يعرِّفه بهرجها الزائف فيباعده عنها مباعدةَ المشرقين فنعم القرين.

 

إن الحياء حمل صاحبه على احترام الناس وإنزالهم منازلهم، فأحبوه وأكرموه فمنعه ذلك من الإساءة إليهم، وعمل ما يكرهونه منه، أو أن يطلعوا منه على عيب ومنقصة تنزله من عيون التقدير والشرف، قريبين كانوا أو بعيدين، وحينما تدرع به رجعت سهام الخطيئة خائبة كسيرة. مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض طرق المدينة فسمع امرأة تقول: دعتني النفس بعد خروج عمرو *** إلى الفحشاء فاطّلع اطلاعا فقلت لها عجلتِ فلن تطاعي *** ولو طالت إقامته رباعا أحاذر إن أطعتك سب نفسي *** ومخزاة تجلّلني قناعا فأُتي بالمرأة إلى عمر فقال لها: أي شيء منعك؟ قالت: الحياء وإكرام عرضي، فقال عمر: إن الحياء ليدل على هَنَات ذات ألوان، من استحيا استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وقي. وكتب إلى زوجها فأقفله إليها. إخواني الكرام، إن هذا الخلق الكريم يتعرض كل يوم لهجمات شرسة من قبل أعداء العفة ومن بعض الجاهلين والمخدوعين، ويدلنا على ذلك كثرة الجريمة المتنوعة التي وصلت أحياناً إلى المجاهرة والمفاخرة والدعوة إلى ركوبها والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» (متفق عليه). وما كان ذلك إلا لذهاب الحياء وتلاشيه من نفوس أولئك المذنبين المجاهرين، نسأل الله لنا ولهم الهداية، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فافعل ما شئت» (رواه البخاري). وقال عمر رضي الله عنه: «من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه».

 

إن الحياء خصلة حميدة من الناس رجالاً ونساء، غير أنه يحمد من المرأة أكثر من الرجل؛ لأنه السور المنيع الذي يحرسها ويصونها من سهام العيون المعتدية والنيات الآثمة، والأيادي المجرمة. وهو يجعلها مثلاً للاحترام والتقدير، ومنبعاً صالحاً لإخراج الأجيال الصالحة. وأصحاب الفطرة السليمة من الرجال يرون المرأة كريمة عظيمة بحيائها وعفتها وصيانتها لنفسها، وحفاظها على شرفها وشرف أسرتها. وانظروا إلى حياء بنت صاحب مدين عندما عادت إلى موسى عليه السلام لتدعوه إلى مكافأة أبيها على سقيه لهما غنمهما، قال تعالى: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }[القصص:25]، قال عمر رضي الله عنه: جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء ولاجّة خرّاجة. (السلفع من النساء: الجريئة).

 

إن الحياء إذا قل التمسك به بين النساء وصار الرجال يرون ذلك من قريباتهم ولا يغارون فقد فُتحت على المجتمع أبواب الشرور. إذا ذهب الحياء من النساءِ *** وأضحى الدُر نهباً في العراءِ ولم يغرِ الرجال فقد أطلّتْ *** على الأحياء أسبابُ الشقاء إن الأصل في جبلة المرأة أن تصاحب الحياء ولا تفارقه، فما بال بعض النساء بدأن يكرهن مرافقة هذا الحارس الأمين!!

 

لعل من الأسباب تواتر الذنوب وكثرتها، والمعاصي لها عقوبات، ومن عقوباتها: ذهاب الحياء يقول ابن القيم رحمه الله: «من عقوبات المعاصي: ذهاب الحياء الّذي هو مادّة حياة القلب، وهو أصل كلّ خير وذهابه ذهاب الخير أجمعه فقد جاء في الحديث الصّحيح «الحياء خير كلّه «. والمقصود أنّ الذّنوب تضعف الحياء من العبد، حتّى ربّما انسلخ منه بالكلّيّة حتّى إنّه ربّما لا يتأثّر بعلم النّاس بسوء حاله، ولا باطّلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع. وإذا رأى إبليس طلعة وجهه حيّا وقال: فديت من لا يفلح، ومن لا حياء فيه ميّت في الدّنيا شقيّ في الآخرة، وبين الذّنوب وقلّة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطّرفين، وكلّ منهما يستدعي الآخر ويطلبه حثيثا، ومن استحيا من اللّه عند معصيته استحيا اللّه من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستح من معصيته لم يستح اللّه من عقوبته».

التعليقات : 0

إضافة تعليق