المنهاج الفلسطيني بين خطر الأسرلة و"عصرنة المفاهيم"... ياسمين مسودة

المنهاج الفلسطيني بين خطر الأسرلة و
القدس

ياسمين مسودة

تتعرض المناهج الفلسطينية ولا تزال إلى عدة أخطار تهدد قيامها بالدور المناط بها،  إذ إن الأصل بالمنهاج الفلسطيني هو إعداد جيل قادر على فهم الواقع المعاش والتعامل معه، يحمل قضيته وتاريخه الفلسطيني، مع إمتداد الفكر الإسلامي والمسيحي الذي شكّل الهوية الجمعّية للشعب الفلسطيني ، بدون تزوير أو تزييف للحقائق، أو انتقائية في دراسة التاريخ، أو اغتراب للهوية الوطنية.

 

أولى هذه التحديات تتمثل في محاولات الاحتلال في أسرلة المنهاج الفلسطيني، ففي العام 2000 قررت وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية تنقيح الكتب المدرسية الفلسطينية التي تدّرس في المدراس التابعة لبلدية الاحتلال في مدينة القدس، فأصبحت النسخ الجديدة فارغة من محتواها الوطنّي، تم حذف كل ما هو وطني وفلسطيني ابتداءً من شعار السلطة الوطنية الفلسطينية من غلاف الكتب، وعلم البلاد والنشيد الوطني، مرورًا  بآيات الجهاد في مباحث التربية الإسلامية، وشعر المقاومة من نصوص محفوظات اللغة العربية، وصولاً لخريطة البلاد التي تحصّر حدود فلسطين المحتلة  بحدود الرابع من حزيران عام 1967، انطلاقًا من أن هذه محاولات تحريضية تجاه دولة الكيان الصهيوني، وفي حقيقة الأمر كل ذلك ينصّب في محاولات الاحتلال البائسة لأسرلة للطلبة الفلسطينيين وتهويد للوعي والذاكرة الجمعّية الوطنية الفلسطينية.

 

أما التحدي الآخر الذي يواجه المنهاج الفلسطيني بشكل عام فهو تحدٍ ذاتي، إذ قامت السلطة الفلسطينية بطرح نسخة جديدة من المنهاج الفلسطيني في الأول من آب عام 2016 ما أثار رد فعل سلبي على نطاق جماهيري واسع بسبب التغير الكبير في طريقة طرح المنهاج، سواء من ناحية المفاهيم والقيم التي يقدمها أو من ناحية كم المواد التراكمية التي يستحيل إنجازها زمنيًا مع الخطة السنوية، إضافة إلى افتقار المدارس للتجهيزات الصفية التي تلزم كمّ الأنشطة المطروحة في الكتب والطرق التدريسية التي يطالب المعلم الفلسطيني بإتباعها.

 

كذلك الزمن الذي استغرقه إعداد المنهاج الجديد وتطبيقه جاء سريعًا وغير منطقي بدون حساب للبيئة المدرسية الغير ملائمة لتنفيذ برامج وخطط المنهاج الجديد مما أربك العملية التربوية برمتها، بدون تدريب المعلمين والمعلمات وتأهيلهم للتعديلات الجديدة في الكتب المدرسية. المقررات الحديثة بالإضافة لضخامتها فهي تحتاج لإثراء وتدعيم ومساندة من مصادر ومراجع غير موجودة في مكتبات المدارس وربما أيضًا غير موجودة في المكتبات العامة، فكيف إذن سيطلب المعلم  من طلبته أن يقوموا بعمل أبحاث دراسية تغني فكرهم وتزيد من تحصيلهم العلمي؟ كذلك الكثير من المقررات اتخذت من التكنولوجيا الحديثة كالشبكة العنكبوتية وسيلة أخرى للتعلم،  فهل سألت وزارة التربية نفسها إن كانت المدرسة مؤهلة لذلك ؟ أو أن كل الأسر الفلسطينية تمتلك هذه الوسيلة الحديثة ؟.

 

بالعودة إلى تغيير طرح المفاهيم نستدل على سبيل المثال لا الحصر بكتاب الصف الثالث الأساسي لمادة التاريخ ، والتي تظّهر  أن مركز فلسطين هو مدينة رام الله في الضفة الغربية، وذلك عبر سؤال يستفسر عن المدن المحيطة بها، متجاهلين أن القدس عاصمة لفلسطين.

 

بالإضافة إلى المفاهيم العديدة التي اعتبرتها الوزارة تحاكي روح التطور والعلم والابتكار، وأنها تحرص على استقبال جميع وجهات النظر والاقتراحات المختلفة التي من شأنها أن تثري هذا المنهاج، فالمناهج تحاكي التطورات السياسية للقضية الفلسطينية، وطرح النضال السلمي المتمثل بالمفاوضات كطريق وحيد لتحرير فلسطين المحتلة منزوعة السيادة على حدود الرابع من حزيران لعام الـ67.

 

يتضح من قراءة التغييرات التي أدخلتها السلطة على المنهاج الفلسطيني أنها تراعي الموقف الإسرائيلي الذي يطالبها بتغيير بعض المفاهيم فالتخوف من اتهامها بالتحريض والإرهاب كان السبب في تغيير وتنقيح المنهاج إلى ما آلت عليه النسخة الجديدة.

 

للحد من هذه المخاطر لا بد من رفض أي تدّخل من قبل وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية في تعديل أو حذف المناهج التي تدّرس في مدينة القدس، انطلاقًا من الحق المكفول بالقانون الدولي الذي يسمح لكل شخص بأن يتعلم وفقًا لثقافته الوطنية والدينية بدون أي تدّخل من قبل المحتل.

 

وعلى الصعيد الوطني لا بد لوزارة التربية والتعليم الفلسطينية العمل على تقييم المنهاج الجديد بشكل شامل للوقوف على مواطن الضعف والثغرات الموجودة بين ثناياه  وإعداد الحلول المناسبة لها ، وكذلك مواطن القوة وتعزيزها.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق