اللغة بين الحداثة وجدلية الاستعمار... نجلاء أبو شلبك

اللغة بين الحداثة وجدلية الاستعمار... نجلاء أبو شلبك
أقلام وآراء

نجلاء أبو شلبك

إنّ الروابط والأشياء التي تجمع بين البشر هي أكثر من الأشياء التي تفرقهم، فالإنسانية هي إنسانية واحدة مطلقة تؤمن أولاً وأخيرًا بحق الإنسان في الوجود، يليها حقه في التعبير عن آرائه ومعتقداته وتوجهاته. ولغرض التعبير عن ذلك، ونتيجة التقاء الأعراق والإثنيات المختلفة ببعضها، ظهرت الحاجة إلى إيجاد لغة مشتركة تجمع بين هؤلاء الأفراد.

 

تعد اللغة انعكاسًا مهمًا للواقع وهي منظومة مزدوجة تندرج فيها منظومة لغوية رسمية ومنظومة لغوية غير رسمية لا تقل أهمية عن المنظومة اللغوية الرسمية من حيث مدلولاتها واستعمالاتها وأهميتها. ترتبط هذه المنظومة اللغوية غير الرسمية بالظروف والمصالح وعلاقات القوة والتحالفات والهيمنة، وتتأثر بتغير الزمان والمكان والأحداث. ومع اختلاف التصنيفات والقوى تظهر مصطلحات جديدة لتتلاءم مع الواقع وحيثياته، أو قد تبقى المصطلحات والمفاهيم نفسها لكن مع استحداث معانٍ وصور جديدة للمصطلح نفسه. وهذا فعليًا ما أشار إليه عالم الاجتماع والباحث في الشأن الثقافي الإسرائيلي يوفال عبري في مقالته « الغرائبية الأصيلة»- حول العرصات والفريحات في الثقافة الإسرائيلية « بخصوص مفهومي « العرص» و « الفريحة «.

 

يمكن اعتبار هذين المصطلحين بمثابة أداة تصنيف فئوية للهويات كجزء من المشروع القومي الإسرائيلي، إذ يرتبط هذان المصطلحان بفئة اليهود الشرقيين، الذين يتموضعون في أدنى التدرج الإثني والطبقي والمجتمعي الإسرائيلي، فهوية اليهودي الشرقي لا تتعدى كونه متخلفًا على عكس هوية اليهودي الأشكينازي المتحضر الذي يوصف بالصّبار، والذي يحاول دائمًا السمو بالثقافة الإسرائيلية. تلعب هذه المصطلحات دورًا هامًا في الإشارة إلى مظاهر العنصرية التي تحاول الثقافة الإسرائيلية إخفاءها وإن لم تنجح بذلك فهي تحاول على الأقل تبييضها.

 

ليست المشكلة بالمصطلحات وحدها؛ فالمصطلح هو التعبير الرمزي لما هو أبعد وأعمق من ذلك. فهنا مثلاً يتجرد مفهوم العرص من مدلوله السابق، فقد كان يطلق على الشاب القوي البنية مفتول العضلات والذي يتمتع بالهيبة، ولكن تحول هذا المفهوم ليصبح اليوم دالاً على الشاب المنحل أخلاقيًا. وبالتالي فقد خسر المفهوم رمزيته اللغوية الإيجابية باختلاف مَن يُطلَق عليه اليوم.

 

وكذلك الحال بالنسبة لمصطلح « الفريحة « هو اسم مغربي قديم كان يعني سابقًا « الفرحة «، أي أن هذا المصطلح كان يعني صورة مغايرة تمامًا لما هو عليه الآن في مكان وزمان آخرين. فمن صورة الفرحة سابقًا إلى صورة المرأة الرخيصة المتبرجة، وإلى صورة الشمراء التي تقف على عتبة الخط الفاصل بين الفريحة القديمة التي تحاول جاهدةً الاندماج بالثقافة الإسرائيلية لكن جذورها تحبطها والفريحة الجديدة التي ترتبط بصيحات الموضة والعالم الرأسمالي المرتبط بثقافة الاستهلاك الجماهيرية اليوم.

 

تظهر صورة العرص والفريحة على هيئة تذكرة عبور للنوادي الليلية الإسرائيلية، فالشكل واللغة والتصرفات تلعب دورًا مهمًا في عملية الدخول. وبهذه التصنيفات تُرسَم الحدود مجددًا وتظهر العنصرية مرة أخرى، فالخط الفاصل بين اليهودي الشرقي واليهودي الأشكينازي الذي تحاول السلطات تمويهه بالحيز العام كمؤسسات السلطة كالجيش وغيرها، تأتي اللغة والنوادي الليلية كصفعة تعيد كل الفوارق الإثنية والقومية والاقتصادية والتي لم تختفِ أصلاً ولكن تم تمويهها. إلى جانب كل من العرص والفريحة ظهر مفهومي العرصة والفريح تماشيًا مع مستجدات الواقع، ودلالة على تزعزع التقسيمة الثنائية الجندرية، وبمعنى أدق تُظهِر هذه المصطلحات مدى مرونة وسيالة الحالة القائمة.

 

تمتاز اللغة ومصطلحاتها بأنها قادرة على إظهار الحقيقة بطريقة رمزية، فبتحول مفهومي العرص والفريحة حسب ثقافة اليهودي الشرقي الذي عاش في الدول العربية سابقًا قبل مجيئه إلى إسرائيل من رموز إيجابية إلى رموز سلبية، فإنّ المحاولة ما هي إلا للحطّ والتقليل من مكانة اليهودي الشرقي وتصويره كرمز للتخلف المهدِّد للطابع الغربي الأوروبي المتمثل بالثقافة الأشكينازية الرسمية.

 

إنّ كل هذه الإسقاطات المختلفة على اللغة التي تمس اليهود الشرقيين بكل ما تحمله من سلبيات، تكاد تكون أكثر رحمة وإنصافًا إذا ما قورنت باللغة المستخدمة تجاه الفلسطينيين. فهنا يتم تحوير اللغة ليس فقط بمصطلحاتها، وإنما أيضًا بلفظ وتهجئة كلماتها وبالاستخفاف بحروفها وتفخيمها وترقيقها حسب ما يقتضيه التهكم حينها.

 

وتبرز صورة الفلسطيني في نظر الإسرائيلي بأوصاف لغوية عنصرية ترى فيه ابنًا للأقلية العربية وتنكر أصلاً  أي وجود لما هو فلسطيني، غير متحضر، بدوي، بربري، وغير منتج. وتصبح كل تلك الألفاظ مقترنة بالفلسطيني وحده، لمجرد أن يكون فلسطينيًا، وتنتشر هذه الألفاظ بين الأوساط الإسرائيلية الرسمية وتمثلاتها الحكومية وخاصة في مجال التعليم والأمن، وبين الأفراد الإسرائيليين أنفسهم في الأوساط الشعبية.

 

ويبرز ذلك أكثر في المقررات التعليمية التي يدرسها الطلاب الإسرائيليون في المدارس والجامعات. ويبرز أيضًا في بيانات الجيش الإسرائيلي الصادرة للفلسطينيين في المدن والقرى الفلسطينية بغرض الترهيب، وكذلك خلال اعتقال الفلسطينيين من بيوتهم ومحاولة تدمير عزائمهم وإذلالهم أمام ذويهم. ومع كل ذلك، يبقى الصراع القائم صراعًا مفتوحًا ومستعدًا لأية تجليات يمارسها الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين مع قابلية تطويع هذه التجليات وفقًا لاختلاف الزمان والمكان.

التعليقات : 0

إضافة تعليق