أمريكا: إعادة التمويل مقابل تعديل مناهج التعليم... مصطفى أبو السعود

أمريكا: إعادة التمويل مقابل تعديل مناهج التعليم... مصطفى أبو السعود
أقلام وآراء

مصطفى أبو السعود

دوماً صاحب النقود هو صاحب نفوذ، حكمة مستوحاة من التاريخ ومن تجارب  الواقع، وفي السياسة لا يوجد شئ اسمه دعم بريء، الداعم له اهداف سواء آجلة أو عاجلة، وإن حاولتَ الهروب من دفع استحقاقات الدعم المقدم لك _فلا تلومن إلا نفسك.

 

في حالتنا الفلسطينية التي نفتقد فيها لأبسط مقومات الصمود الذاتي،  نقف عاجزين كلما هدد احد الممولين لسلطة الفلسطينية او وكالة الغوث او مشاريع خاصة بأنه سيوقف دعمه او يقلصه، لسبب  قد نعرفه ويعرفه الجميع ، أو لسببٍ يكمن في بطن الممول،لأننا بكل بساطة رهنا قرارنا بما تمن به علينا الدول المانحة، ووقّعنا على اتفاقيات سلام سياسية واقتصادية  مذلة، فوقعنا في الفخ، وها نحن _بكل أسف _ندفع ثمن تلك الخطيئة.

 

قبل فترة جمدت أمريكا مساعدتها لوكالة الغوث ثم قلصتها ( بحجة أنها لا تلقى احتراماً من الفلسطينيين) كما صرح بذلك الرئيس الأمريكي  ترامب، لكنها عادت وأعلنت استعدادها لإعادة مساهمتها مقابل تعديل مناهج التعليم الفلسطينية التي تتناول قضايا العودة وتاريخ فلسطين، والتزام شرط الحيادية عبر إلغاء الأنشطة والفعاليات المتعلقة بمناسبات خاصة بالقضية الفلسطينية، مثل وعد بلفور و»النكبة» والعدوان الإسرائيلي العام 1967 ، وإسقاط هوية القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة، وإلغاء ما يخص النضال أو المقاومة ضد الاحتلال، أو تعبير الانتفاضة الفلسطينية».

 

والمتأمل في تلك الشروط يجد أن الولايات المتحدة تنظر للفلسطينيين على أنهم رعاع أو هكذا تريدهم ان يكونوا ، ولا يجب أن يفكروا إلا في طعامهم وشرابهم فقط ،  ويتركوا التفكير في سبب المآسي التي يعيشونها منذ قرن من الزمان، ولا يحاولون الفكاك من الاحتلال، ويجب أن يقبلوا بوجود الكيان الصهيوني دولة لها حقوق الجيرة، وأنك ايها الفلسطيني عليك نسيان المحطات المفصلية ( سلباً وايجاباً ) في تاريخ القضية الفلسطينية،  ونحن نضمن (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ).

 

لكن السؤال لماذا  تعديل مناهج التعليم الفلسطينية مقابل اعادة التمويل ؟

 

إن فكرة تعديل المناهج تعني تعديلا لآليات التربوية التعليمية والمضامين العلمية التي تُعطَّى للأطفال الذين هم عصب المجتمع ونواة مستقبله، وهنا تتحقق رغبة الصهاينة بأن ( الكبار يموتون والصغار ينسون) فتغيير المناهج  يعني ان الطفل لن يعلم عن تاريخ بلده وجغرافيتها، إلا ما سُيسمح له ويُوافق عليه من قبل المُمول، فبدل أن تكون القدس عاصمة فلسطين ستصبح عاصمة للكيان الصهيوني،  و(بلفور) سُيدرس على أنه شخصية عظيمة، ووعده على أنه تحقيق لوعد الله لليهود، وأن السلطان  العثماني عبد الحميد الثاني هو من أيد وشجع اليهود على الهجرة لفلسطين، وأن حرب 1967 كانت دفاعاً عن النفس وليس اغتصاباً لأرضٍ جديدة، وأن المقاومة هي  عنفٌ وارهابٌ يرفضه كل العالم.

 

ما يحدث الان هو أن  الكيان الصهيوني يحاول استثمار فرصة وجود ترامب في البيت الابيض لتمرير ما يريده على الدول العربية كي تساهم معهما في فرض الرؤية الصهيونية ، وتغيير مناهج التعليم بما يتوافق مع الرؤية الصهيونية هو من الاهداف التي يسعى لها الكيان الصهيوني على اعتبار ان التعليم هو رأس مال الشعب الفلسطيني،  فتغييره يعني تغيير قناعات واولويات الاجيال الفلسطينية القادمة.

 

اللافت في الامر أنه وفي الوقت الذي تهدد فيه أمريكا بتقليص مساهمتها، اسرعت بلجيكا وتبرعت  بــ 23 مليون دولار  ، بينما الدول العربية  كانت خارج التغطية إلا دولة واحدة  جاءت تتبرع على استحياء، فتبرعت بمبلغ زهيد جدا جدا، في الوقت الذي تذهب اموال العرب لما لا فائدة منه، يُحرم منها المسلمون الضعفاء المحتاجون.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق