إعلان ترامب حول القدس.. توقيت وتوقعات... نعيم الأشهب

إعلان ترامب حول القدس.. توقيت وتوقعات... نعيم الأشهب
أقلام وآراء

نعيم الأشهب

لقد كتب الكثير عن خطوة ترامب الاستفزازية والمنافية لجميع القرارات الدولية المتعلقة بالقدس العربية المحتلة، أما توقيت هذه الخطوة فيعود لمجموعة دوافع وأسباب، منها

 

فتح الطريق أمام تدشين التحالف الإسرائيلي- السعودي رسميا. ومن الواضح في هذا الصدد أن «إسرائيل» تستغل لهفة السعودية على انجاز هذا التحالف لابتزاز تنازلات على حساب القضية الفلسطينية. حيث تشير صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر 3/12/2017 إلى الجهات التي مارست الضغوط على ترامب ليتخذ هذه الخطوة، وتذكر دور كل من نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في هذا الصدد، كما تشير الصحيفة إلى حادث استدعاء حكام السعودية، قبل قرابة الشهرين الرئيس محمود عباس وممارسة أقصى الضغوط عليه بغية قبوله بعرض «كوشنير» لإعلان أبو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية.

 

جاء هذا الإعلان في لحظة يهمش فيها الدور الأمريكي في المنطقة إلى حد غير مسبوق ، وهذا التهميش يزيد بنفس المقدار من حاجة واشنطن لخدمات إسرائيل في المنطقة, وفي إطار مكافأة الأخيرة على هذه الخدمات لا يضير واشنطن أن تقدم لإسرائيل عدا السلاح والمال والحماية في الأمم المتحدة، جوائز على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته، طالما النظام الرسمي العربي متواطئ مع مثل هذه الخطوة ‘ أو في أحسن الحالات  يلتزم الحياد الفعلي -إلا شكلياً- وكأن الأمر لا يعنيه. 

 

 في ضوء الهزائم الكبرى التي مني بها المحور الأمريكي -الإسرائيلي- الرجعي العربي بقيادة السعودية في الآونة الأخيرة، ولاسيما بتصفية عصابات الإرهاب الدولي، التي دعمها وراهن عليها هذا المحور، وفشل محاولاته الأخيرة للقيام بهجوم معاكس في كل من العراق ، بفصل إقليم كردستان عن الدولة العراقية، وتفجير الاضطراب والاحتراب الطائفي في لبنان باختطاف رئيس وزرائه، ثم محاولة الانقلاب في صنعاء عبر علي عبد الله صالح . بعد كل هذه الهزائم المتلاحقة تأتي هذه الخطوة الاستفزازية للتظاهر بالقدرة على الفعل رغم كل الهزائم, ظنا بأنها ستمر دون مضاعفات. 

 

 جاءت هذه الخطوة كمحاولة لنجدة كل من ترامب ونتنياهو اللذين يواجهان أزمات ومشاكل من غير المعروف إن كانا سيخرجان منها سالمين، أم أنها ستطيح بهما أو بأي منهما فالأول يواجه اليوم عدا أزماته ومشاكله المتنوعة ، الداخلية  والخارجية ، احتمالات إخضاعه للتحقيق أمام الكونغرس  بعد اعتراف مستشاره للأمن القومي المستقيل ، الجنرال مايك فلين ، بأنه كذب على الكونغرس بإنكاره الاتصال مع الروس في قضية انتخابات الرئاسة الأمريكية ، وعلاقة ترامب بذلك.

 

 والثاني أي نتنياهو تزداد الضغوط ، بما فيها الشعبية ، لمحاكمته على قضايا الرشوة والفساد التي تلاحقه ، بخاصة بعد فشله في محاولة استصدار قانون في الكنيست يحميه من المحاكمة طالما هو في رئاسة الحكومة .

 

أما ردود الفعل على خطوة ترامب باعتبار القدس عاصمة إسرائيل ، فكانت كالتالي:

 

 لم يحدث طيلة العقود الماضية أن واجهت خطوة أمريكية عزلة وإدانة كهذه الخطوة, وقد بدا ذلك بوضوح ساطع خلال اجتماعين لمجلس الأمن الدولي، وآخر للجمعية العمومية عقب الإعلان المذكور، ففي مجلس الأمن وجدت مندوبة ترامب نفسها تواجه منفردة بقية أعضاء المجلس الأربعة عشر خلال جلستي الاستماع والتصويت على إدانة هذه الخطوة, ومعزولة على أخلص حلفاء واشنطن الاستراتيجيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كبريطانيا، أما في الجمعية العمومية للأم المتحدة وبرغم لجوء إدارة ترامب إلى التهديد العلني بقطع المساعدات عن كل دولة تصوت ضد الخطوة الأمريكية, فإن النتائج كانت هزيمة منكرة لخطوة ترامب هذه.

 

من جانب آخر كشف إعلان ترامب المذكور منذ اللحظة الأولى، مدى الدعم والعطف على القضية الفلسطينية في أربعة أرجاء العالم، وبالمقدار نفسه حجم الوهم الذي سيطر على ترامب وأتباعه الذين حجب عن أعينهم دخان الصراعات والمعارك المحتدمة في المنطقة بين المحور الأمريكي - الإسرائيلي – الرجعي العربي وبين محور المقاومة ، رؤية حجم ومقدار الدعم الكامن لقضية الشعب الفلسطيني العادلة.

 

وقد جاء بيان ترامب الاستفزازي ليبدد هذا الدخان الخادع الذي ظنه ترامب تلاشيا للقضية الفلسطينية, فقد انطلقت المظاهرات وأعمال الاحتجاج الغاضبة على هذا البيان من اندونيسيا واليابان شرقا حتى الأمريكيتين غربا ، وما تزال مظاهر الشجب والاحتجاج المتنوعة لهذا البيان تتداعى .

 

3- ينبغي أن يكون هذا البيان قد أنهى دور واشنطن كوسيط بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي, هذا الدور المضلل والذي كانت تراهن عليه بأسف القيادة الفلسطينية وتقيد بسببه حركة النضال الشعبي الفلسطيني ضد الاحتلال على مدى ربع قرن، فحتى الرئيس الفرنسي يعلن ضرورة انتقال دور الوسيط هذا إلى الأمم المتحدة

 

4- أعطى بيان ترامب المذكور نتائج عكسية لتطلعات حكام السعودية ولهفتهم للتقدم الرسمي والعلني نحو التحالف مع إسرائيل ضد محور المقاومة، كما تشير ردود الفعل التي لم يكونوا يتوقعونها، وهذا ما أرغم الملك السعودي ليصرح من باب التخدير والمناورة، بان للفلسطينيين الحق بأن تكون القدس الشرقية عاصمتهم ودفع ذلك وزير الخارجية الأمريكي تلرسون للتصريح بأنه من غير المتوقع أن يتم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس خلال دورة رئاسة ترامب الحالية .

 

5- حفز الإعلان أطراف محور المقاومة للتأهب والاستعداد للتصعيد القادم مع الاحتلال الإسرائيلي , إلى حد التأهب لتوزيع الأدوار والمهام بين أطراف هذا المحور، كما بدا واضحا في خطاب حسن نصر الله الأخير . بمعنى آخر :فاعلان ترامب جاء ليسرع المواجهة مع هذا المحتل .

 

وفي أجواء تسارع الفرز في المنطقة واحتمالات اقتراب المواجهة والاحتكاك بين قطبيها، يتضاءل إلى حد التلاشي هامش التردد وإمساك العصا من الوسط أمام القيادة الفلسطينية، ليصبح تحديد موقفها المطلوب من هذا الصراع المحتدم والمتصاعد، ومن أطرافه عبر القضايا التالية :

 

 أ . الموقف العملي والحاسم من موضوع استعادة الوحدة الوطنية .

 

 ب . التحلل دون تردد من اتفاقيات أوسلو والتزاماتها، بخاصة والطرف الإسرائيلي لا ولن يلتزم بأي منها ، وفي مقدمتها التنسيق الأمني المشين .

 

ج . الالتزام وعدم التراجع عن إعلان الرئيس محمود عباس في المؤتمر الإسلامي في استانبول ، بأن الولايات المتحدة فقدت أهليتها كوسيط في أية عملية للسلام في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي ، ولتكون الأمم المتحدة هي البديل .

 

 د. تحديد علاقتنا العربية والدولية على ضوء الموقف الفعلي وليس الشكلي أو لأية اعتبارات أخرى من قضيتنا الوطنية.

 

ز . تعبئة طاقات شعبنا المعطاء وتنظيمها في مواجهة شاملة مع الاحتلال في معركة مفتوحة بلا قيود.

 

 ه.  ملاحقة المجرمين الإسرائيليين على جرائمهم في المحافل الدولية وبخاصة محكمة الجنايات الدولية والكف عن التردد  في هذا المجال، هذا التردد الذي لم ينتج إلا إمعان هؤلاء المجرمين في جرائمهم ضد شعبنا .

 

فهل ترتفع القيادة الفلسطينية أخيراً إلى مستوى المعركة وتحدياتها بخاصة وقد غدا ظهرها إلى الحائط .؟

التعليقات : 0

إضافة تعليق