التراجع العربي عن رفض قرار ترامب... تيسير الغوطي

التراجع العربي عن رفض قرار ترامب...  تيسير الغوطي
أقلام وآراء

بقلم: تيسير الغوطي

أبدى العرب عموما والفلسطينيون خصوصا رفضا لقرار ترامب بخصوص الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني ونقل سفارة بلاده إليها لتأكيد ذلك الاعتراف عمليا، وهذا الرفض تراوح ما بين رفضا على استحياء كما بدا في مواقف بعض الدول خصوصا الخليجية , ورفض صارم حملته التصريحات والخطابات لبعض الزعامات والقيادات وخاصة الفلسطينية  وأكثر وضوحا وصدقا في شعارات وهتافات الجماهير الغاضبة التي انطلقت في العواصم العربية والإسلامية والمدن والقرى و المخيمات الفلسطينية .

 

وبدلا من أن يستمر هذا الرفض في التصاعد والقوة حتى تحقيق الأهداف المنشودة، بدأ النظام العربي الرسمي وكعادته في التراجع التدريجي عن التصعيد في وجه أمريكا والكيان الصهيوني, وصولا إلى القبول وتنفيذ الأجندة والرغبات الصهيونية, تحت مبررات أوهى من بيت العنكبوت تتمثل في الواقعية وعدم القدرة وضعف الإمكانات، لإخفاء المبررات والأسباب الحقيقية لهذا التراجع, والمتمثلة في رغبة هذه القيادات عدم إغضاب أمريكا للحفاظ على عروشها باعتبار ان أمريكا هي الضامن الأول والوحيد لهذه العروش والكراسي.

 

 عدم جدية الرفض الرسمي العربي لقرار ترامب بشأن القدس كان واضحا في الرفض الخجول لبعض الأنظمة تجاهه خاصة الخليجية منها, وفي تصدي هذه الأنظمة ومنع كل المظاهرات والمسيرات لرفض القرار الأمريكي, بل ومنع رجال الدين والخطباء من الحديث عن القدس بحجة تنزيه الشعائر الدينية وصلاة الجمعة عن مفاسد السياسة حسب فتاوى جوقة علماء السلطان ، ولا يفوتنا التذكير بفشل الاجتماع الذي عقد في عمان بين قادة عرب  في اتخاذ موقف واضح لرفض قرار ترامب ، بل فشله في اتخاذ قرار بعقد قمة عربية لمناقشة قرار ترامب والرد عليه ، وهو ما سبب إحباطا للمك الأردني دفعه كما قال للتراجع عن تصعيد اللهجة ضد السياسة الأمريكية ورعايتها لعملية السلام، بل انه قال في لقاء مع  قناة سي . إن. إن الأحد 4/2/2018»لا يمكن أن يكون لدينا عملية سلام أو حل سلمي بدون دور الولايات المتحدة ، وهذا الأمر يبقى صحيحا حتى بعد قرار الرئيس ترامب بشأن القدس ونقل السفارة» وللأسف كان عدم الجدية أكثر وضوحا في الموقف الفلسطيني الرسمي صاحب القضية الأول، فبعد القرار مباشرة جاء خطاب الرئيس عباس والذي خلا من أي رد فعل حقيقي على قرار ترامب، بل جاء ليؤكد على الاستمرار في عملية السلام والمفاوضات، وعدم وجود أي نية للتحول عن هذا المسار إلى مسارات أخرى رغم إقراره بفشله على تحقيق شيء بعد عقدين من الزمن، وبوصوله إلى النتيجة المؤلمة القاسية سلطة بلا سلطة واحتلال بلا تكلفة كما ورد حرفيا على لسان الرئيس عباس، وليؤكد في هذا الخطاب على التنادي لعقد لقاء هام للقيادة الفلسطينية المتمثلة بالمجلس المركزي لاتخاذ القرارات الهامة المناسبة، وللأسف جاء هذا اللقاء أو الاجتماع بعد أكثر من شهر على صدور قرار ترامب !!!، وجاءت القرارات أكثر من مخيبة للآمال إذ أنها أصرت على الاستمرار في مسيرة السلام، والبحث عن مظلة جديدة لرعايتها، والتوجه إلى الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة، رغم إدراكهم جميعا ان الأمم المتحدة وكل مؤسساتها لم تفعل شيئا لصالح الفلسطينيين وقضيتهم ، وليس بمقدورها أن تطبق قرارا واحدا من عشرات القرارات بخصوص القضية الفلسطينية ، وحتى القرار الأخير الذي فيه شيء من الإيجابية وبعض من الرد الحقيقي ونعني به وقف التنسيق الأمني ، فالجميع يدرك أن هذا القرار لن يطبق على الأرض لان ذلك يجلب غضب الكيان الصهيوني، وان مصيره لن يكون أحسن من مصير نفس القرار الذي اتخذه المجلس المركزي في عام 2015 ، ولان القيادة التنفيذية الفلسطينية تعتبره أمرا مقدسا تحافظ عليه.

 

ثم يستمر مسلسل التراجع العربي والفلسطيني عن الجدية في رفض القرار الأمريكي وصولا إلى التساوق معه وتنفيذه على الأرض ، وكان هذا واضحا فيما تسرب عن اللقاء الذي جمع الملك عبد الله برئيس وزراء لبنان سعد الحريري على هامش مؤتمر دافوس بسويسرا نهاية يناير الماضي، بخصوص قضية اللاجئين وتوطينهم في البلاد التي يقيمون فيها، وأكثر وضوحا في الأنباء التي بدأت تتسرب عن الخلية المشتركة الأردنية الفلسطينية التي جرى تفعيلها مؤخرا بعد لقاء الملك الأردني بالرئيس عباس، وبحسب ما نشرته صحيفة الرأي اليوم، فقد تم الاتفاق بين الأردن والسلطة على وضع تصور مشترك يحدد للأمريكيين والإسرائيليين الحد الأدنى المقبول لديهما عندما يتعلق الأمر بالانتقال للمستوى التنفيذي لقرار ترامب ، كما اتفقا على التخفيف من التصعيد المباشر والمواجهة مع إدارة ترامب، والتخفيف من اللهجة التي تعتبر واشنطن خارج المفاوضات ، وللأسف تأتي هذه المواقف بعد أن طلب الجانب الأمريكي من الأردن والسلطة وضع أجندة عمل لمفاوضات تتعلق بحدود مدينة القدس ، حيث جاء هذا الطلب الأمريكي عبر اتصالات أجرتها الخارجية الأمريكية خلف الأبواب.

 

في ضوء التراجع العربي والفلسطيني عن تصعيد الرفض لقرار ترامب بشأن القدس تتأكد لنا الملاحظات التالية:

 

1- أن الرفض العربي و الفلسطيني الرسمي لقرار ترامب ليس حقيقيا ، وإنما هو محاولة من الأنظمة وقياداتها لامتصاص نقمة وغضب الشعوب والجماهير، ويزداد هذا الأمر وضوحا وتأكيدا إذا ما علمنا أن عدداً من الزعماء كان يعرف بالقرار قبل صدوره، وبالتالي كان معروفا لدى الإدارة الأمريكية مستوى وحدود رد فعله.

 

2-أن معظم القيادات ربطت وجودها وبقاءها على عروشها بأمريكا والكيان الصهيوني وبالتالي ليست مستعدة للتصادم معها ومع مصالحها وفي مقدمتها أمن وحماية الكيان الصهيوني.

3-الرفض الحقيقي لقرار ترامب هو ما صدر عن الشعوب والجماهير الثائرة، الغيورة على دينها ومقدساتها ووطنيتها والمستعدة للتضحية بكل ما تملك في سبيل ذلك، وهذا يفرض على قوى المقاومة للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة التوجه لهذه الجماهير ورص صفوفها وتوجيه حركتها واستثمار ذلك كله في تصعيد أعمال المقاومة والرفض التي تكلف الكيان الصهيوني ما لا يستطيع معه الاستمرار في جرائمه ضد الشعب الفلسطيني وصولا إلى اندحاره وتحرير الأرض والمقدسات من براثنه.

التعليقات : 0

إضافة تعليق