مرايا

وداعاً يا حبيب القلوب... عبد الله الشاعر

وداعاً يا حبيب القلوب... عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر   

هل كان موتاً أم ثورةً وانبعاثا؟

أحمد الجرّار...هذا النشيد الثوريّ يتردد الآن على ألسنة الشعب كترنيمة شوق، ويسافرُ في وعيهم نبضاً لا يعرف الخنوع والاستسلام... تميدُ من تحته الدنيا ولا ينكسر، وتضطرب البلادُ ولا يستكين.

كان الليل يستأنس ببريق عينيك الخضراوين، وكان القمر يسامر روحك ثم يتوارى خجلا

كي لا يضيء الدروب أمام الغاصبين.

 

على مدار شهرٍ ويزيد ظلّ أحمد واقفاً على أُهبةِ الاشتباك...متزنّراً يقينه وبسالته، ومستقبلاً وجه ربّه؛ طمعاً في توفيقه ورضاه.

 

على مدار شهرٍ ويزيد، والقلوبُ تلهجُ بالدّعاء، وأكفُّ الضراعة ممتدةٌ نحو باريها أن يحفظ اللهُ لفلسطينَ أحمدَها، وألا يترك البندقيّة يتيمةً، والخيلَ من غير فارس.

 

مدنٌ وقرىً ومخيّماتٌ تبيت على اجتياحاتٍ وقلق...قلبها على أحمد، ودعاؤها له...وتصحو بين غفوةٍ وأخرى على قلبها الذي لم ينمْ وهو يدعو لأحمدَ ويطوي عليه الشغاف...ومع الأيام صار هذا الشابُّ الجميلُ حُلم الأمّة، ونهارها الذي يشقُّ طريقه وسط ليلٍ ألقى بكلّ ثقله، وأرخى ظلامه الدامس فوق ربوعنا المُعذّبة...صار أحمد فكرةً ونهجاً، ورديفاً لفلسطينَ وهي تحلّقُ على جناحيْ أحمد في سماوات العزّ والانتصار.

 

تعلّقت القلوب بأحمد، وحفظ الشباب ملامحه عن ظهر شوقٍ وعشق...أحبّوه فارساً في هذا الوطن العصيّ على الموت، وعشقوا بندقيّته التي لم تخرسها اتفاقات العار، ولم تلجمها ظروفُ المرحلة الأسنة... قبضوا على صورتك كمن يقبض على جمر وقد شغفت الناس حبّا، وحين داهمهم خبر استشهادك لم يصدّقوا... ليس في وسع القلوب التي تتعلّق بالفرسان أن تتخلّى عن أحلامها، وليس في وسعها أن تصدّق نبأ رحيلهم يوما، لهذا كذّبوا كلّ خبر لا يؤكد نجاتك من الموت، وأغمضوا قلوبهم عن كلّ روايةٍ أو صورة تنقلُ مشهدك الأخير وأنت مسجّى.

 

 

أحمد، أيها القادم من أحلام الثوّار وصدق بنادقهم، تحملك البنادق وهناً على وهن، وتمضي بك نحو الاشتباك راضياً مرضيّا.

 

أرأيت يا سيّد الفرسان كلّ هذا الأسى العفويّ في وجوه الناس؟ أسمعت نحيبهم وهم  يردّدونك فكرةً وأنشودةً وأسرار حياة؟ أشاهدت الدمع وهو يفيض من حدقات قلوبهم؟...أيها القريب من قلوب الناس حدّ الاستحواذ، والمعشوق لكل الجيل حدّ اليقين...ها أنت تمضي وسط هذه الأحزمة الأمنية الآثمة، وخلفك تنبح كلابٌ تقتات على بقايا الوطن، وعصاباتٌ لا مشروع لديها سوى اغتيالك، وكلّ البنادق من مدريد إلى أوسلو وأخواتها من اتفاقيّات العار مشغولةٌ في حماية مشروعٍ لا مكان لفلسطين على خارطته، ولا متّسع لأحلام الشهداء ووصاياهم في أجندته.

 

ماذا ستقول لقوافل الشهداء الذين سبقوك؟ هل ستحدّثهم عن فلسطين التي تركها أبناء العمومة لقمةً سائغة لشذّاذ الآفاق؟ هل ستروي لهم قصة الوطن الذي استبدله التجّار بعرضٍ من الدنيا حقيرٍ وزائل؟ أم ستروي لهم تفاصيل رحلتك وأنت تجوب الجبال متسلّقاً صخورها، وما استسلمت للعناء الكبير إرادتك؟ ماذا ستحدّث أباك الذي طالما حلُم بك وقد تركك فتى تتفتّح عيناه على ذراعٍ ميتورةٍ ورجلين تتأرجحان في الهواء، ولطالما وقفتا على أصلب الأراضي؟

 

ثمّة كلام كثيرٌ في جعبتك، ولأن الشهداء لا يموتون أبدا فستظلّ - رغم كلّ الروايات عن رحيلك - حيّاً لن تموت.

التعليقات : 0

إضافة تعليق