معضلة "إسرائيل" في غزة

معضلة
عين على العدو

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/  إسماعيل مهرة

 

في الأيام والأسابيع الأخيرة، حضرت الحالة الإنسانية الغزية وتداعيات الانفجار المرتبطة بها على طاولة الحكومة والمؤسسات الإسرائيلية، وعلى طاولة المجتمع الدولي بشكل غير مسبوق، نتيجة لتفاقم الأوضاع الإنسانية التي تزداد سوءًا وغليانًا منذ فترة طويلة، تحوّل مع شدته إلى حالة مهددة؛ حتى ان الأوضاع في غزة فجّرت خلافات إسرائيلية بين الوزراء من جهة، وبين الحكومة والمؤسسة الأمنية من جهة أخرى. ورصدت الدراسات والتقارير والمقالات الكثيرة التي كتبت وبثت خلال الأسابيع الأخيرة داخل الاعلام والمراكز الإسرائيلية، إحصائيات وأرقاماً تشير إلى تدهور الحالة الإنسانية، وجميعها توقعت قرب الانفجار.

 

الخوف من الانفجار (المبادر إليه فلسطينيًا كأحد أوجه تفاقم الأزمة) اضطر رئيس الأركان لأن يحضر اجتماع الحكومة الأخير، وأن يقدم لهم تقريرًا عن الحالة الإنسانية والأمنية في غزة، ولخصه بأن احتمالات المواجهة على الجبهة الجنوبية خلال عام 2018 أعلى ممّا كانت عليه في العام السابق وقد باتت أمرًا محتملًا. تقرير رئيس الأركان الذي ترافق مع المناورة الكبيرة للجيش على حدود غزة، فُسّر فلسطينيًا على أنه تمهيد لعدوان كبير على غزة؛ رغم ان القراءة الأكثر عمقًا له تشير إلى القلق الإسرائيلي من زيادة حدة الأزمة الإنسانية، وأن كثافة التقارير الإسرائيلية والأممية عن الأوضاع الكارثية في غزة تقضي على شرعية أي عدوان إسرائيلي، بل انها تمنح شرعية ما للانفجار الغزي بوجه إسرائيل، لأن معظمها - وإن لم يعترف بصريح العبارة - يحمّل إسرائيل مسؤولية مباشرة وغير مباشرة عن تفاقم الحالة الإنسانية، بل إن وزير الحرب ليبرمان تفاخر بأنه شخصيًا، وبموافقة حكومته، يتبنون سياسة فرض حصار خانق على غزة، وذلك عندما اعترف بأنه سيسمح لأهل غزه بإبقاء رؤوسهم فوق الماء للتنفس فقط طالما بقى جنودهم أسرى داخل غزة، ليس هذا فقط؛ بل ان بعض كبار الوزراء اتهموا ليبرمان وسياساته تجاه غزة وحمّلوه مسؤولية عدم منح أمل للسكان وإفشال كل الخطط الدولية لتخفيف الأزمة بوضعه شروطًا تعجيزية.

 

وبهذا المعنى وهذا السياق فإن حكومة نتنياهو تضعف كل شرعية وإجماع محلي ودولي لشن أي عدوان على القطاع، هذا فضلًا عن ان دولة الاحتلال لا تزال ترى في استمرار التهدئة مكسبًا إسرائيليًا صافيًا، والتهدئة فقط لا غير باتت الهدف الأول لكل عدوان على غزة، وهو الهدف الوحيد القابل للتحقق في الظروف الحالية. بالإضافة إلى ان مصلحتها المرحلية على الأقل لا زالت تكمن في الإبقاء على الانقسام وتحويله إلى انفصال كلي، والابقاء على حكم حماس التي ليس لها بديل بشرط ان تظل مردوعة ومهددة.

 

يضاف لذلك ان لدولة الاحتلال الآن مشروعاً كبير،اً وهو الانتهاء من جدار صد الأنفاق وكشف الأنفاق وضربها، وقد لخص ذلك ليبرمان بالقول «حتى نهاية عام 2018 سنكون قد أنهينا خطر الأنفاق، وإن رؤيتنا تجاه غزة لن يغيرها صاروخ هنا أو صاروخ هناك، ولن يغيرها مقال لهذا الصحفي أو ذاك»، ويبدو ان كلًا من ليبرمان ونتنياهو مقامران كبيران، يضربان بعرض الحائط كل التقارير التي تحذر من خطر الانفجار اعتمادًا منهما على ان تقديرات حماس لنتائج الحرب ليست مختلفة عن تقديرات إسرائيل لنتائجها، وبالتالي ليست لدى المقاومة في غزة مصلحة أو نية للحرب، وبناءً عليه يشعران أن بوسعهما ممارسة المزيد من الضغط أو أقله إبقاء الحالة على ما هي عليه، وهما في ذلك يُعتبران أقلية أمام بقية الوزراء وفي مواجهة المؤسسة الأمنية؛ لذلك أمر نتنياهو بإجراء نقاش يخص أوضاع غزة، بما في ذلك اقتراح كاتس بإقامة ميناء اصطناعية أمام شواطئ القطاع في الاجتماع القادم للكابينت، وكان قد أجّل الموضوع وتهرّب منه أكثر من مرة، وآخر مرة أصر فيها كاتس على بحث الأمر؛ أمر نتنياهو بتحويل الملف إلى مجلس الأمن القومي لدراسته وتقديم التوصيات في تاريخ محدد، لكن نتنياهو لم يلتزم بنقاشه في التاريخ المحدد وظل طيّ الأدراج.

 

يصرون في إسرائيل بشكل مقصود طبعًا على استخدام عنوان «معضلة حماس في غزة» باعتبار حماس هي المشكلة الرئيسية، وأجندتها المقاومة واضطرارات الحكم وخياراته تشكل المعضلة التي يضطر المحتل إلى مواجهتها، لما يحمله من «إنسانية ومسؤولية تجاه السكان وموقف حازم تجاه الإرهاب»، يضطر لمواجهتها بأن يبتدع حلولًا خلاقة وأحيانا تبدو غير مفهومة، فيذهب مسؤول الذراع المدنية للاحتلال مرخاي إلى بروكسل ليقنع المانحين بتقديم التسهيلات للسكان في القطاع، بما في ذلك استيراد التوت الأرضي وغير ذلك؛ هكذا تقلب إسرائيل الهرم على رأسه، والأصل ان الاحتلال هو المعضلة الرئيسية، فكل حديث عن غزة دون ربط ذلك بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية سيظل حديثًا يكرّس الاحتلال ويعزز الانفصال، ولن يقدم لغزة في احسن حالاته سوى مسكنات وآمال بوعود موهومة لن تتحقق، لأن شروطها لن تتحقق أبدًا، ولأن غزة المقاومة وحاضنة الهوية الوطنية ستظل في حالة اشتباك مع العدو، وسيظل العدو يتطلع إلى ردعها والتخلص منها.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق