مراقبون: الحدث يستوجب المساءلة القضائية

"تنصت السلطة" خدمة جديدة للاحتلال!

سياسي

غزة/ محمود عمر:

أثارت قضية تصنت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية على مكالمات المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة، سخطاً شعبياً وحقوقياً في الوقت الذي لم يصدر عن السلطة أي بيان رسمي حول هذه القضية، فيما شكك مراقبون من إمكانية قيام النيابة العامة في رام الله بفتح تحقيق جدي حولها لاعتبار أن التصنت على هواتف المواطنين يتم بأوامر سياسية من أعلى رأس الهرم في السلطة بالتنسيق مع أجهزة مخابرات الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية.

 

وكان ضابط في أجهزة أمن السلطة، كان يعمل في "وحدة المراقبة الإلكترونية" بجهاز الأمن الوقائي في رام الله، سرب لوسائل إعلام محلية، صوراً ووثائق وأسماءً، لمشروع تصنت الكتروني ومراقبة مكالمات صادرة وواردة لمواطنين وقيادات رفيعة في المقاومة الفلسطينية.

 

هذا المشروع قدمه - وفقًا للضابط الفلسطيني - مسؤول الأمن الوقائي زياد هب الريح إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) لطلب التمويل الكامل للمشروع في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة).

 

وكشف الضابط أن الشروط الأمريكية على تمويل المشروع، تضمنت أن يكون المشروع بإدارة مشتركة بين الوقائي والمخابرات، وأن تقوم كل جهة أمنية بترشيح عدد من الأشخاص لا يتم اعتمادهم إلا بموافقة (CIA)، التي تقوم باختيار أدوات وبرمجيات التجسس، في المقابل تقوم أجهزة أمن السلطة بتذليل كل العقبات التي تعترض طريق تنفيذ المشروع.

 

وأكد الضابط أن العاملين في وحدة التنصت والمراقبة من جهازي المخابرات والأمن الوقائي كان لهم دور كبير في تقديم معلومات للاحتلال الصهيوني عن المقاومة الفلسطينية وقادتها في حرب عام 2014.

 

وفي وقت لاحق، أكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح توفيق الطيراوي في تصريحات صحفية نشرت الاثنين الماضي، تقدمه بشكوى قضائية لدى النائب العام بالضفة لتجسس الأجهزة الأمنية على هاتفه عبر شركة الاتصال المحمولة (جوال).

 

وقوبلت هذه التسريبات بحالة سخط شعبية وبرلمانية وحقوقية إذ أصدر نواب في المجلس التشريعي وشخصيات فصائلية مواقف منفصلة أكدوا فيها أن ما ورد في التقرير المتعلق بالتنصت خيانة وطنية عليا واستهداف للمقاومة، وانتهاك للخصوصية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الفلسطيني.

 

وأكدت نقابة المحامين الفلسطينيين أن التصنت عمل جبان ومشين، وأن النقابة ستتوجه للنائب العام الفلسطيني لتقديم شكوى بهذا الخصوص، باعتباره ينتهك الحقوق والحريات.

 

فيما أعلنت مؤسسة الحق تقديم بلاغ جزائي للنائب العام، تطالب بفتح تحقيق جزائي شامل في قضية التصنت على مكالمات المواطنين، باعتبارها تشكل جريمة موصوفة في القانون الأساسي الفلسطيني.

 

وأكدت الحق توفر دلائل قوية في ضوء متابعتها لتلك التطورات التي تمس بشكل خطير الحق في الخصوصية المكفول في الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين والتشريعات ذات الصلة.

 

خارج إطار القانون

 

الخبير القانوني معتز قفيشة، يرى أن أي عملية تصنت لهواتف المواطنين يجب أن تكون بسند قانوني وبموافقة النائب العام ووجود قضية يكون المتصنت عليه طرفاً فيها.

 

وقال قفيشة لـ"الاستقلال": "إن التصنت على مكالمات المواطنين بالشكل الذي كشفته الوثائق هو أمر مخالف للقانون بل هو جريمة قانونية بحد ذاته وتجاوز لصلاحيات الأجهزة التنفيذية وتعديها على الجهاز القضائي".

 

ولفت النظر إلى أن التصنت على مكالمات المواطنين يتخذ بعداً أمنياً وليس جنائياً، وهذا يشكل خرقاً إضافياً للقانون موضع النقاش، مضيفاً: "إذا كان هناك تصنت لصالح أجهزة أمنية أجنبية فهذه جريمة يعاقب عليها القانون".

 

وأشار الخبير القانوني إلى أن القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003، نص في مادته رقم 32 على أن "كل اعتداء على أي من الحريات الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي أو القانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتضمن السلطة الوطنية تعويضاً عادلاً إلى من وقع عليه الضرر".

 

كما أكد قفيشة أن شركات الهاتف المحمول (جوال والوطنية) لها الحقّ الكامل في الامتناع عن تزويد الجهات الأمنية بأي معلومات عن المشتركين من دون موافقة القضاء.

 

عمل جبان

 

النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي حسن خريشة، أكد أن التصنت على هواتف المواطنين هو عمل جبان، ولا يجب أن يمر دون حساب وتحقيق جدي وحازم.

 

وقال خريشة لـ"الاستقلال": "هذه التسريبات والوثائق – إن صحت- فهي كارثة أمنية خطيرة تضر بالأمن القومي الفلسطيني، ولو كان المجلس التشريعي مفعلاً لعقدت جلسات مساءلة للسلطة التنفيذية ولمن يتهم خلف هذا الأمر، ولكن تعطيل المجلس أضر كثيراً بالحقوق الفلسطينية".

 

وأوضح أن السلطة الفلسطينية والنيابة العامة مطالبة بالتحقيق في هذه التسريبات والوثائق، وتقديم شرح وافي للرأي العام، إذ أن تجاهل هذه المسألة يزيد من فقدان الشعب للثقة بهذه السلطة".

 

وأضاف: "إن الإضرار بأمن المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي بأي شكل من الأشكال، هو خيانة ويصب في إطار العمالة والجاسوسية لصالح هذا المحتل"، محذراً في الوقت ذاته من استمرار حالة الضبابية حول هذه القضية الأمر الذي يستوجب من كافة المؤسسات الحقوقية التحرك قضائياً للكشف عن ملابساتها وتفاصيلها.

 

استمرار التنسيق الأمني

 

بدوره، يرى المحلل السياسي عبد الستار قاسم أن الأجهزة القضائية والتشريعية والتنفيذية في الضفة الغربية، جميعها تعمل لخدمة السلطة الفلسطينية وسياساتها، الأمر الذي يجعله مستبعداً بشكل قاطع أن تقوم النيابة العامة بفتح تحقيق جدي لكشف ملابسات القضية وتقديم متهمين.

 

وقال قاسم لـ"الاستقلال": " إن هذه القضية تصب في إطار استمرار التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال بما يشير إلى أن ادعاءات السلطة بوقف التنسيق هي مجرد أوهام وتصريحات لا أساس لها من الصحة لارتباط وجود السلطة وبقائها باستمرار هذا التنسيق".

 

وبيّن أن التعاون مع مخابرات السلطة والاحتلال وأمريكا هو عمل يومي لتلك الأجهزة، ويهدف هذا التعاون إلى إنهاء المقاومة الفلسطينية ووأدها، ولا يستبعد أن تكون بعض عمليات الاغتيال بحق فلسطينيين تمت بواسطة هذا التنسيق أو من خلال التصنت على هواتفهم النقالة.

 

وشدد قاسم على أن قضية التصنت هذه هي قضية خطيرة وتستهدف المقاومة الفلسطينية ولا يجب السكوت عليها، وتابع: "إن السلطة تحولت فعلياً لأدوات بأيدي الاحتلال لمحاربة هذه المقاومة".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق