بسبب الظروف الاقتصادية

غزة.. الزيارات الاجتماعية ممنوعة!

غزة.. الزيارات الاجتماعية ممنوعة!
محليات

غزة/ أحلام الفالح :

لم تجد أم جهاد (45 عاما) طريقة أمامها سوى الاعتذار إلى شقيقها الأكبر لعدم استقباله في المنزل وإلغاء زيارته لها أو تأجيلها، وذلك لعدم وجود أدني متطلبات الضيافة لديها، بعد أن تحججت له بأن لديها أعمالا خارج المنزل، لتلغي بذلك أروع صور التواصل وصلة الأرحام والتي تتمثل في الجلسات العائلية المحببة لديها، بسبب ظروف فرضتها عليها هموم الحياة وسوء الأوضاع الاقتصادية وقلة ذات اليد. 

 

أم جهاد، كغيرها من مئات الغزيات اللاتي دفعتهن الظروف المادية الصعبة، إلى إلغاء الزيارات العائلية والاجتماعية والهروب منها بحجج متعددة، لا سيما بعد قطع الرواتب لموظفي غزة وزيادة نسبة الفقر والبطالة وغيرها من الأزمات التي عصفت بقطاع غزة  والتي اثرت سلباً على قدرة الكثير من العوائل في تدبر امورهم.

 

وباتت الزيارات العائلية التي كانت تعتبر من أبرز النشاطات التي تجمع الأسر والأفراد في نسيج المجتمع الفلسطيني، تقل شيئاً فشياً وأصبح البعد والاقتضاب واقتصار الزيارات على الضرورة فقط هي السمة الأغلب في قطاع غزة، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، وهو ما عمل على إضعاف العلاقات الاجتماعية وكان سبباً في القطيعة بين أفراد العائلة الواحدة.

 

هاجس وقلق

 

وأوضحت أم جهاد لـ "الاستقلال" أن الزيارات العائلية كانت بالنسبة لها من أكثر ما يشعرها بالسعادة وإشاعة أجواء الفرحة بقدوم الأهل والأقارب، ولكن اليوم أصبحت هاجساً يبعث على التوتر والقلق في ظل عدم مقدرتها على القيام بمتطلبات الضيافة وتقديم المشروبات والمأكولات الشهية، مشيرة إلى أنها لذات السبب امتنعت عن القيام بالزيارات العائلية والاجتماعية للأهل والمعارف لأنها تعلم أوضاع الناس جيداً ولأنها أيضا لم تمتلك ثمن المواصلات والهدايا وتكاليف الزيارة.

 

وتقول أم جهاد:، "نعلم أن الجنة بدون ناس لا تداس، ولكن اليوم وفي ظل هذه الظروف اصبح البعض يبحث عن راحة الرأس والبعد عن الإحراج من الناس، الذي يتحقق باختصار الزيارات العائلية على الضرورة فقط"، مؤكدة أن الزيارات بين الناس اليوم بات يحكمها الواجب لا اكثر، فعندما تقرر زيارة شخص يتوجب أن يكون هناك سبب وجيه لزيارته.

 

قطيعة الأرحام

 

ولا يختلف حال المواطنة أم سامي الغف، التي تسكن في حي الزيتون عن سابقتها فهي الأخرى قست عليها الظروف ومنعتها وزوجها من التواصل مع الأهل لضعف القدرة المالية لديهما، فقد انقطع زوجها عن زيارة أخواته الست بعد أن ساءت الظروف الاقتصادية، وأصبح غير قادر على تحمل نفقات الزيارات.

 

وقالت الغف لـ "الاستقلال"، " راتب زوجي لا يكفي لأجرة المنزل ومصاريف أطفالي في الروضة والمدارس والتزامات البيت، وهو ما جعله يقلل من الزيارات العائلية ويقتصره  على المناسبات فقط، رغم حزن أخوات زوجي وعتابهن المستمر له  لقلة زيارته لهن وخاصةً أنه هو الأخ الأكبر لهن".

 

وأشارت إلى أنها كانت تذهب إلى بيت أهلها الذين يقطنون في مدينة خانيونس مرةً كل الشهر ولكن مع صعوبة الحياة وكثرة الديون، انقطعت عن زيارتهم منذ أكثر من ثلاثة شهور وتكتفي بالاطمئنان عليهم عبر الهاتف.

 

ونوهت إلى أنها تشعر بالضيق عندما يأتي أحد لزيارتها ولا يتوفر معها المال لشراء ما تقدمه للضيف، مما يضطرها لأخذ الضيافة ديناً من البقالة التي تراكمت عليها الديون فيها لعدم مقدرتها على تسديد الدين السابق.

 

التفاعل الاجتماعي

 

وبدوره أكد الدكتور درداح الشاعر، أستاذ علم النفس في جامعة الأقصى، أن الزيارات الاجتماعية عامة والعائلية خاصة، تعزز أواصر التواصل بين الناس، وترسخ الترابط الأخوي والتماسك الاجتماعي، ومنبع لزيادة الألفة والمحبة والاحترام فيما بينهم، مشيراً إلى آداب الزيارة التي يشترط قبول الطرف الاخر بها، وعدم اطالتها او جعلها فجائية، وضرورة مراعاة ظروف الناس ووقتهم.

 

وأوضح الشاعر في حديثه لـ "الاستقلال"، أن الزيارات العائلية، ليس بالهدايا والتكلف في الزيارة بل بالتواصل والتفاعل الاجتماعي، وإظهار شكل من أشكال التعاطف والقربة، وخاصة لذوي الأرحام، حتى يشعر كل منهم أنه جزءٌ من الآخر وحتى تتطور العلاقة وتبقى متواصلة.

 

وقال: "إن الأصل في الزيارات العائلية أنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أي علينا مراعاة بعضنا البعض وعدم التكلف فيما نقدمه للضيوف خاصة في الوضع الاقتصادي السيء الذي أثر سلباً على مجمل العلاقات الاجتماعية، مشيراً إلى أنه من الأفضل تبادل الزيارات قدر المستطاع دون بهرجة لزيادة الود والمحبة والابتعاد عن التكلف لعدم وصول الزيارات الاجتماعية إلى الهاوية.

 

وأشار إلى أنه علينا توعية أبنائنا إلى الجانب المهم في العلاقات الإنسانية، وأن هذه العلاقات ليست مبنية على الجانب المادي وإنما على الجانب النفسي والشعوري القائم على المحبة والاحترام والتواصل والتفاعل.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق