انزياحات "حماس"....    بقلم: جميل عبد النبي                       

انزياحات
أقلام وآراء

   بقلم:  أ. جميل عبد النبي

 

حماس: ليست تنظيما هامشيا في الساحة الفلسطينية كي نتجاهل انزياحاتها السياسية أو الفكرية، وإنما مؤثر كبير في كل تفاصيل القضية الفلسطينية، ما يعني بالضرورة أن أي تغيير حمساوي لا بد وأن يكون له أثر ما على واقعنا السياسي والحياتي أيضا.

 

لو أضفنا إلى أهمية حماس كتنظيم كبير ومؤثر على الساحة الفلسطينية، الأهمية الخاصة بطبيعة القضية الفلسطينية ومركزيتها، بوصفها القضية الأكثر تأثيرا وتعقيدا، وذات أبعاد متعددة، تتجاوز حدود القضايا العربية الأخرى، فإننا سنبدو أمام قضية مهمة، تنبع أهميتها أولا من أهمية القضية التي تعمل على أرضها، ثم ثانيا من أهمية وحجم الحركة العاملة والمؤثرة في تطور أحداث هذه القضية .

 

 من هذا المنطلق لا نستطيع تجاهل انزياحات حركة حماس، كمواطنين متأثرين بهذه الانزياحات، وكمراقبين مهتمين بالشأن الفلسطيني، ونرى أن من حقنا أن نقول رأينا مؤيدين أو معارضين، وفقا لتقديراتنا الخاصة، وليس بالضرورة وفقا لمعايير الصواب المطلق، فنحن أصلا لا نؤمن بوجود صواب مطلق أو حق مطلق على الأرض بعد الأنبياء، إنما محاولات لمقاربة الصواب بالقدر الذي تسمح به ملكات العاملين والمجتهدين في أي قضية.

 

حماس إذن هي محل البحث في موضوعنا هذا، وتحديدا ما نظنه تحولا ذا أثر يتعلق برؤيتها لطبيعة الصراع في فلسطين، كما وبطبيعة الحل الذي تراه حركة حماس مناسبا لهذا الصراع، علما أننا هنا لا نسعى للإدانة كما لا نسعى للتمجيد، وإنما مجرد قراءة مقارنة بين حماس الميثاق التأسيسي، وحماس الوثيقة السياسية التي أصدرتها رسميا في الآونة الأخيرة، وسوف لن نسعى للوقوف على كل البنود التي تضمنتها الوثيقة، حيث نرى بعضها تكرارا - وإن بصيغة أكثر حنكة - لما سبق وقالته في الميثاق القديم، إنما يعنينا بنود محددة نعلم أنها محل بحث وقراءة لكل المهتمين والمراقبين، ولسنا أول من تناولها، ولسنا بالضرورة من يمتلك القدرة على حسن تقييمها أفضل من غيرنا.

البند الأكثر إثارة للجدل في الوثيقة الجديدة هو البند رقم 20 والذي نرى فيه تعبيرا عن توجهات حماس الجديدة، حيث كانت حماس - حسب نصوص ميثاقها القديم - ترى في فلسطين أرض وقف إسلامي، مملوكة لجميع المسلمين، وعليه لا يحق لأي جهة فلسطينية أو عربية أن تتنازل عن أي شبر منها لأي طرف معادٍ ومهما كانت الظروف.

 

في الوثيقة الجديدة تجاهلت كليا الصياغات القديمة التي كانت محملة بالنصوص الدينية،ولم تشر أبدا إلى مصطلح ( أرض وقف )، صحيح أنها قالت في مقدمة البند المذكور: أنها لا تقبل التنازل عن أي شبر من فلسطين، من بحرها إلى نهرها، لكن إقحام فقرة « توافق وطني « على ما أسمته دولة على حدود 67 لا يخلو من وضوح لا يحتاج إلى شواهد على قبولها بهذا البرنامج كحل مرحلي، حتى وإن استخدمت الوثيقة لغة مطاطية تتيح لحماس ان تستخدم خطابين للتعامل مع هذا البند، الأول داخلي تقدمه حماس لمنتسبيها ومناصريها، تبدو فيه في حالة من الثبات على مبادئها القديمة دون تغيير، فكما كانت ترفض التنازل عن أي جزء من فلسطين لأي سبب، كون فلسطين حقا خالصا للعرب والمسلمين، فهي أيضا لا زالت تفعل ذلك ولم تجر أي تغيير على مواقفها القديمة.

 

الخطاب الثاني خارجي، وهو موجه للمجتمع الدولي الذي تأكدت حماس أنه لن يقبل بها كطرف رئيسي معترف به طالما لم تقبل بالتعايش جنبا إلى جنب مع إسرائيل. وأعتقد شخصيا أن حماس تدرك حقيقة ما يطلبه منها المجتمع الدولي، وأنها لجأت متعمدة إلى هذه الصياغة المرنة التي تظن أنها تستطيع أن تناور كل الأطراف من خلالها !

 

وأعتقد أيضا أن : لا المجتمع الدولي سيقبل منها هذه الصياغة الالتفافية، حيث بدا ذلك سريعا في وصف ترامب لها بالإرهاب، ولا أصدقاء حماس ممن يريدونها كما هي حركة مقاتلة تسعى لتحرير كل فلسطين سيوافقون على ما يمكن أن تدعيه بأنها لم تجر أي تغيير على مواقفها القديمة.

 

يمكنني هنا أن أضيف مأزقا جديدا ستجد حماس نفسها مضطرة لمحاولة الخروج منه: أن كل مبررات الانقسام القديمة لم تعد قائمة! حيث لم يعد هناك برنامجان متناقضان يمكن أن تبرر حماس بواسطتهما استمرار الانقسام، ما يعني أنها ستخضع لمزيد من الضغط الشعبي لمطالبتها بالتراجع عن خطوات 2007 التي بررتها يومها بمحاولاتها منع التفريط في 80% من فلسطين التاريخية، سيطالبها الناس بخطوات عملية تفسح المجال أمام عودة التوافق الفلسطيني، خاصة وأن حجم الضغوط التي يتعرض لها الناس في غزة جراء الانقسام تتضاعف، ولا تمتلك حماس - على ما يبدو - أي حلول عملية، سوى مطالبة الناس بمزيد من الصبر! سيطالبها الناس أيضا بالكف عن اللغة الحادة التي تصل إلى درجة التخوين والتي لا زالت تلون خطابها شبه الرسمي في معظم المناسبات، خاصة وأن الرئيس عباس لم يعلن رسميا عن قبوله بالتنازل عن برنامج ال 67 الذي وافقت عليه مؤخرا، حتى وإن أكثرت الحديث عن أسباب أخرى كالتنسيق الأمني والاستمرار في التفاوض، حيث أظن شخصيا أن على حماس أن تدرك أنها لا تخاطب نفسها بلغتها وخطابها الخاص، فهي محل اهتمام ومراقبة عالية المستوى، حتى من قبل أقل المواطنين اهتماما بالشأن السياسي، كونهم جميعا متأثرين بنتائج المواقف المتباينة لسياسة الفصائل، ما يعني أن ما تظنه حماس مقنعا لمنتسبيها ومناصريها قد لا يكون كذلك بالفعل.

 

 ختاما: لا يعني التركيز على البند 20 عدم وجود ملاحظات على باقي البنود، كخلو الوثيقة من أي إشارة لعلاقة حماس بالإخوان المسلمين، أو تعريفها لطبيعة الصراع في فلسطين، على خلاف ما جاء في الميثاق القديم، إنما تجنبا للإطالة، وظنا أن أهم انزياحات حماس يتمثل في البند المذكور.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق