اعترافات وكوارث

غزة: أجساد رياضية غيبها "الترامادول"

غزة: أجساد رياضية غيبها
محليات

لاعبون يعترفون بتعاطيه في غياب الرقابة والتحاليل الطبية              

  مدير فني: الظاهرة منتشرة بشكل كبير بين اللاعبين        

  عوض: العائقان الاجتماعي والأمني يتسببان في وقف إجراء الفحوصات

 اتحاد الكرة: المسألة جنائية.. والقانون الرياضي الفلسطيني يتجاهل العقاب

 

تحقيق / عبد الله نصيف

أحدثت ظاهرة اكتساح عقار "الترامادول" الملاعب الرياضية في قطاع غزة وتعاطي اللاعبين له بشكل تجاوز جميع الخطوط لزيادة الفاعلية فى المنافسات وحجز مقعد أساسي لهم داخل فرقهم، حالة من البلبلة داخل الوسط الرياضي، مما أدى إلى ضرورة قرع صفارة الإنذار والتلويح بالكرت الأحمر لوضع حد لهذه الظاهرة التي تسللت الى مهنة الاخلاق وجردتها منها والتهمت الروح الرياضية من منافستها. "الاستقلال" فتحت الباب على مصراعية لمناقشة ظاهرة انتشار عقار "الترامادول" في الملاعب الرياضية في قطاع غزة ، وتداوله بين اللاعبين ومدى تأثير ذلك على مستقبلهم الرياضي.وفي الوقت الذي فجر فيه بعض اللاعبين مفاجآت من العيار الثقيل باعترافهم بتعاطي عقار "الترامادول" من أجل زيادة فعاليتهم الرياضية داخل الملاعب، في المقابل يعترف المسئولون عن الكرة بتعاطى بعض اللاعبين له ولكنهم يقرون بعدم قدرتهم على التحكم في الأمر، وأن الوضع الرياضي بات يساء استخدامه حتى وصل الى مكانه غير لائقة. ويعتبر "الترامادول" أحد مشتقات المواد الأفيونية (المورفين والهيروين)، التي تؤثر على العقل وتُوصف فقط لعلاج الآلام الشديدة التي ليس لها علاج آخر، مثل السرطان وآلام العظام المزمنة وانتشر في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة بشكل لافت للنظر، لدرجة أنه أصبح ظاهرة في الشارع الغزي نظراً لاعتقادهم الخاطئ أنه منشط.

 

ملك الترامادول

فجر اللاعب "س. ع" مفاجأة من العيار الثقيل، حيث أكد تناوله لحبوب "الترامادول" قبل كل مباراة يلعبها بساعتين كي تأخذ الحبة مفعولها بالجسم، وخاصة المباريات المكتظة بالجماهير، عازياً ذلك للشعور بالراحة النفسية وعدم التأثر بضغوطات الجماهير التي تسبب له التوتر العصبي والخروج من أجواء المباراة.

اللاعب "ع" الذي فضل عدم الكشف عن اسمه لـ"الاستقلال" خوفاً على مستقبله الرياضي، أوضح أن الأمر لا يقف عنده فقط حيث يتعاطى هذه الحبوب بعض زملائه والعديد من لاعبي الأندية وخاصة الفرق التي تتنافس على البطولة أو الهبوط في دوريات كرة القدم، لكون الحبة الواحدة تشعر اللاعب بالراحة النفسية داخل الملعب، مشيراً إلى أن لقب ملك "الترامادول" يطلق على أكثر من لاعب على مستوى اندية قطاع غزة وباتوا يعرفون بذلك في الوسط الرياضي.

ويواصل اللاعب "ع" تعاطي هذا العقار رغم علمه بمدى خطورته والذي من الممكن أن يخلق منه مدمناً، وذلك لاعتقاده أنه يفتح أمامه أبواب التألق على مصراعيها، وخصوصاً أنه عنصر مهم في تشكيلة فريقه في كافة المباريات التي يخوضها ولا يحب أن يتنازل عن هذا المستوى الرياضي.

قدرة على العطاء

فيما كان تألق بعض اللاعبين، الذين أتخذوا خطواتهم الأولى نحو احتراف كرة القدم وانضموا إلى أحد أقوى الأندية في قطاع غزة، سبباً في كشف تعاطيهم لعقار "الترامادول".

يقول اللاعب "ص. أ": "في اللقاءات الحاسمة التي تحتاج لبذل مجهود كبير أمام إحدى الفرق الجماهيرية الكبيرة، اضطر لتناول حبوب الترامادول لتقديم أفضل أداء لدي والذي يؤهل فريقي للفوز على خصمه ويجعلني أكثر قدرة على العطاء، وهو ما يختلف في مباريات أخرى لم اتناول بها هذا العقار حيث أكون أقل كفاءة وأكثر جهداً وارهاقاً رغم مشاركتي في عمليات الإحماء قبل المباراة "

وأضاف "أ" الذي امتنع عن ذكر اسمه لـ"الاستقلال":" هذه القدرة على العطاء في بعض المباريات وتراجع مستواي في مباريات أخرى جعل زملائي يلاحظون ذلك، مما أثار شكوكاً من قبلهم حول تناولي الترامادول".

وأشار إلى أن بعض زملائه اللاعبين وجهوا له أكثر من مرة سؤالا قبل بدء إحدى المباريات :"هل اخذت اليوم الترامادول؟" في إشارة لمعرفة مدى قدرته على اللعب في المباراة وإمكانية الفوز واحراز الأهداف.

وتحدث لاعبون كثيرون عن تعاطى زملاء لهم لعقار "الترامادول" قبل مباريات كرة القدم ومعظمهم يتناولونها بالسمع والنصيحة من لاعبين آخرين لذلك يقع بعضهم فى محظور المخدرات، ولكن لم تنقل "الاستقلال" سوى بعض الحالات في هذا التحقيق.

تألق وهمي

وعلق أحد المدربين في الفرق الرياضية بغزة على انتشار عقار "الترامادول" بين لاعبي كرة القدم قائلًا: "إن هذه الظاهرة السلبية منتشرة بشكل كبير في ملاعب قطاع غزة بين لاعبي الفرق، وهو ما يؤثر بالسلب على مستقبل الرياضة في القطاع". 

كشف المدير الفني، الذي رفض ذكر اسمه لحساسية منصبه لـ"الاستقلال" ، أن بعض اللاعبين الذين تميزوا في الأداء الكروي هم من متعاطي "الترامادول"، مشيراً إلى أن هناك أحد أفضل اللاعبين في الفرق التي دربها مؤخراً من حيث القدرة على التحمل والالتزام بجميع التدريبات التي يخوضها الفريق في فترة الاستعداد، تغيب عن التدريبات، وعند سؤال أحد أقاربه عن ذلك أخبره بأنه مدمن لهذا العقار وعائلته تعمل على علاجه.

وأوضح أنه بعد البحث في الموضوع تبين أنه كان يتعاطى عقار "الترامادول" من أجل تحمل التدريبات وزيادة الفاعلية فى المباريات، وحجز مقعد أساسي له بالفريق الأول.

وشدد على أن اللاعبين يتعاطون هذا العقار في ظل غياب الرقابة والتحاليل الدورية، محملاً المسؤولية الكاملة لإدارات الأندية واتحاد كرة القدم لكونه المسؤول الأول والأخير عن اللاعب داخل الملاعب، وعليه اتخاذ الإجراءات اللازمة لفحص اللاعبين في الفرق ومتابعة ذلك بشكل منتظم.

وأشار إلى أن غياب الرقابة عزز من استخدام هذا العقار، الذي يندرج تحت بند المخدرات التي يعاقب عليها القانون الفلسطيني، وجعل بعض اللاعبين يدمنون على تعاطيه في الملاعب الفلسطينية.

وأوضح أن الأندية في القطاع مازالت تتعاقد مع الاعبين دون إجراء الكشف الطبي الكامل، وهو ما يعرض الأندية لخطورة، مؤكدا على ضرورة التخلي عن اللاعبين الذين يتم الكشف عن تعاطيهم لعقار الترامادول.

وطالب المدير الفني بضرورة إدراج هذا العقار على قائمة المنشطات المحظور تناولها دولياً، لاستخدامه الزائد عن الحد المسموح به من قبل بعض اللاعبين.

مازالت اختبارات الكشف عن المنشطات والمواد المحظورة لم تعرف طريقها بعد في المنافسات الكروية في فلسطين عكس الأندية المشاركة في البطولات العربية والدولية.

أمر خطير

وبدوره كشف الطبيب عميد عوض، عضو الاتحاد الفلسطيني في الطب الرياضي، أن ما يقارب من10% من اللاعبين يتعاطون عقار الترامادول ويتعاملون معه على أنه مادة منشطة، موضحاً أن هذا العقار قاتل للآلام وهو مجرد مسكن قوي لكن في مجتمعنا الرياضي يتعامل معه اللاعب كأنه منشط.

وقال عوض لـ" الاستقلال"، "لدي معلومات عن كثرة تعاطي الترامادول في صفوف الرياضيين بشكل عام في قطاع غزة ولاعبي كرة القدم بشكل خاص، ورؤية أشرطة فارغة لهذه الحبوب بكثرة على جوانب المستطيل الأخضر"، مؤكداً أن تناول "الترامادول" بين اللاعبين أمر خطير وقد يؤثر على الصحة العامة لهم.

وأكد الطبيب عوض على أنه في حال تناول اللاعب عقار "الترامادول" لأول مرة يسبب له حالة من الغثيان وعدم المقدرة على استكمال اللعب والمطالبة بتبديل اضطراري وهذا ما حدث لأكثر من مرة في عدة لقاءات، بالإضافة إلى أن متعاطيها يتصفون بالخشونة الزائدة على لاعبي الخصم بشكل لا إرادي .

موت مفاجئ

وشدد، على أن تناول حبوب "الترامادول" له سلبيات كثيرة على اللاعب، لأنه مسكن قوي ويمنح عضلات الجسم والقلب جهداً من الجهد الطبيعي، لذا تجد من يتناول هذا العقار لا يشعر بالآلام خلال اللقاء وبالتالي عند نهاية مفعول "الترامادول" يكتشف اللاعب وجود إصابات قوية للغاية، فالإصابة التي تحتاج لأسبوع علاج من الممكن أن تعاني شهرا حتى يتعافى منها.

وجدد التأكيد على أن من يتناول الترامادول مهدد بالموت المفاجئ أو التدريجى؛ لأنه يصيب عضلات القلب بحالة من الإعياء الشديد وزيادة في المجهود والتحمل لا يشعر بها من يتناول هذا العقار، حتى يفاجأ بتعرضه لأزمة قلبية أو الموت المفاجئ نتيجة توقف القلب، مطالباً بضرورة الفحص الطبي الدوري للاعبين لتفادي سوء الاستخدام لهذا العقار المخدر.

وعن إدمان "الترامادول" أكد أن تعاطي أكثر كميات كبيرة منه يؤدي إلى إصابة الشخص بالإدمان وفي حالة عدم حصوله على الجرعة التي اعتاد عليها تظهر عليه أعراض الانسحاب وهي إصابته بحالة صرع وتشنج، موضحاً أن إدمان "الترامادول" يؤدي إلى الإصابة بالفشل الكلوي وأمراض الكبد.

وحول دور الدائرة الطبية في الكشف عن متعاطي الترامادول في الملاعب الفلسطينية، كشف عوض أن الدائرة درست إمكانية إجراء فحوصات عشوائية للاعب أو اثنين من كل فريق بعد أي لقاء كروي، لكن بعد دراسة كاملة كان هناك عائق كبير أمام إجراء هذه الفحوصات، منها العائق الاجتماعي والأمني والذي تسبب في وقف إجراء الفحوصات، لكونها تؤثر على اللاعب داخل النادي ومجلس إدارته وقد يتسبب في طرده من النادي.

وعلى الجانب الأمني قال: "توقعنا أن الجهات المختصة كـ "المكافحة "ستطلب منا أسماء اللاعبين المتعاطين ليتم التحقيق معها لكن هذا لم يحدث حتى الآن، خوفاً من أن يدخل اللاعب في دوامة كبيرة من المشاكل الأمنية والتي ستلحقه عائلياً أيضاً، لا سيما وأن الترامادول مدرج في غزة تحت بند العقاقير المخدرة لأن مكوناته  تحتوي على الهيروين والأفيون".

وكشف عن نية الاتحاد واللجنة الطبية في الضفة المحتلة وقطاع غزة القيام بإجراء فحوصات طبية شاملة تحت بند "المنشطات" وليس "الترامادول" فقط للتخلص من أي عوائق تعطل الفحوصات الطبية.

اعتراف بالذنب

محمد أبو دف، رئيس لجنة العقوبات بالاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، أكد على وجود اعتراف ضمني بانتشار تلك الظاهرة في ملاعب قطاع غزة رغم عدم وجود إثباتات لذلك، في ظل عدم وجود مختبر خاص للمنشطات تابع للمجلس الأعلى للشباب والرياضة واتحاد كرة القدم أو منتدب لوزارة الصحة مختص بفحص المنشطات.

واعتبر أبو دف لـ "الاستقلال "أن عدم وجود هذه المختبرات المتخصصة مشكلة كبيرة، لأنه لا يجوز قانونياً فحص اللاعب عن طريق الدم أو البول في إحدى المختبرات المتواجدة في المناطق المختلفة.

وطالب أبو دف، في حال عدم المقدرة على إنشاء مختبر خاص، يجب اعتماد إحدى المختبرات من وزارة الشباب والرياضة لفحص اللاعبين والتعامل معه بشكل رسمي قانوني.

ما قاله أبو دف يؤكد بوضوح افتقار الأندية في قطاع غزة تقييم الحالة الصحية للاعبين الخاصين بها، من خلال القيام بالكشف الطبي الدوري على كل اللاعبين وفي مختلف الألعاب الرياضية.

أكد أبو دف، أن عقار الترامادول ممنوع تناوله فى غزة جنائياً، ومدرج ضمن القانون الفلسطيني، تحت بند العقاقير المخدرة لان مكوناته تحتوي على الهيروين والأفيون"، مما يعني أن أي شخص يتناوله مُعرض للسجن بعقوبة لا تقل عن 3 سنوات.

وحول عقوبة تناول العقار في الاتحادات الرياضية في فلسطين، أوضح أنه يتم التعامل مع هذا العقار على أنه "منشط" وبذلك يحول اللاعب المتعاطي للمادة 25 استناداً للتعليمات الدولية، ويتم عقوبته على ما نصه الاتحاد الدولي تحت مسمى " متعاطي المنشطات " و ليس فقط الترامادول.

ووفقاً لما وقفت عليه الاستقلال في تحقيقها فإنه حتى في حالة الاعتراف بتناول الترامادول لبعض اللاعبين لا يمكن إثبات حالات تعاطيه نظراً لعدم وجود تحاليل عليها، وعدم متابعة الجهات المعنية.

ويشار إلى أن مجموعة من أشهر العلماء على مستوى العالم يجتمعون سنوياً في شهر يناير لإجراء تعديلات على قوائم الأدوية المحظورة، والتي يجب أن يتوافر بها ثلاثة شروط حتى تندرج ضمن قوائم المواد المحظور تناولها دولياً ويعاقب عليها قانون المنشطات والشروط الثلاثة هي أولاً أن تؤثر على الأداء الرياضي للاعب، وثانياً أن تخل بالمبدأ التنافسي الشريف للعبة، والثالث هو أن تضر بالصحة العامة للاعب.

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق