القلق الإسرائيلي من أولويات ترامب الخارجية... إسماعيل مهرة

القلق الإسرائيلي من أولويات ترامب الخارجية... إسماعيل مهرة
أقلام وآراء

إسماعيل مهرة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكن الخيار الأمثل لإسرائيل أو لمنظمة الايباك الصهيونية، من بين المرشحين الجمهوريين ماركو روبيو وتيد كروز، ولفترة ما شعر يهود أمريكا وإسرائيل أيضًا بحالة من عدم الارتياح تجاه صعود نجم ترامب أثناء الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهوري، وذلك نظرًا لما يمثله ترامب.

 

عدم الارتياح لدى الحكومة الإسرائيلية، ولدى من يقف على رأسها، تقريبًا لم ينتهِ، وضبابية الموقف لم تتبدد تمامًا، حتى بعد القمة الحميمية التي جمعت بين نتنياهو وترامب، وما يهم حكومة نتنياهو من سياسات ترامب الخارجية هو ما يتعلق بخمسة ملفات رئيسية: الملف الإيراني، الملف الإقليمي، الملف السوري، الملف الدولي، والملف الفلسطيني.

 

في الملف الإيراني يوجد ما يشبه التماثل والتطابق التام بين الموقف الإسرائيلي والموقف الأمريكي، وباختصار فأن الموقف الذي تتبناه إسرائيل وتحث إدارة ترامب على تبنيه – ويبدوا أنها نجحت في ذلك إلى حد بعيد - يتمثل في تشديد أنظمة الرقابة ومتابعة التزامها بتعهداتها، والتهديد الدائم بسيف العقوبات والخيار العسكري ومحاربة "النفوذ الإيراني" وتطويقه.

 

في الملف الإقليمي، إسرائيل تبدي قلقًا وتخوفًا من ربط الملف الإقليمي مع الدول العربية بالملف الفلسطيني، وتحاول ان تفصل بين الملفين، وتتطلع إلى إقامة تحالف ضد إيران، وتحييد الموقف العربي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وتعزيز التعاون.

 

أما في الملف السوري، تطمح إسرائيل لأن يساعدها الموقف الأمريكي في تأكيد مصالحها، وفي الاستجابة لأطماعها وتحقيق أهدافها. في إسرائيل يرغبون بأن تنخرط أمريكا أكثر فأكثر في الملف السوري، لأسباب لها علاقة بتخوف إسرائيل من تفرد روسيا وإيران بالملف السوري، في إسرائيل يعتقدون بأن الملف السوري بات قريبًا من الحسم، ولابدّ من تدخل أمريكي قوي، يمكن لإسرائيل من خلاله التأكيد على ضمان مصالحها الأمنية والسياسية، وفي مقدمتها التسليم بضم الهضبة وإبعاد "النفوذ الإيراني" عن الحدود، وتحديدًا منطقة القنيطرة - درعا.

 

تدخل أمريكي قوي في الملف السوري سيجعل أمريكا تحتاج التنسيق كثيرًا مع إسرائيل، لما تمتلكه الأخيرة من نفوذ وقدرات أمنية وعلاقة قوية مع الروس، وعلاقات تنسيقية مع العرب في الملف السوري، وهذا يجعل إسرائيل تأمل ان يلفت أنظار واهتمام الإدارة الأمريكية عن الانشغال بملف الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، ويجعل أمريكا تضطر للصدام على أكثر من مستوى مع إيران وحزب الله، ممّا قد يخلق أجواءً مشجعة لحلف ذو رصيد قوي بين إسرائيل وبعض الدول العربية وأمريكا، وهو في النهاية سيخدم الخطاب الإسرائيلي بالتقدم بتعزيز الثقة والسلام والتعاون الإقليمي بين دول المنطقة.

 

في الملف الدولي، تطمح إسرائيل لأن تساعدها أمريكا بالتصدي للنشاط الفلسطيني في الساحة الدولية، بما في ذلك ممارسة الضغوط على الدول وعلى المنظمات الدولية، ومحاصرة أنشطة وتوسع حركة الـ "بي دي اس".

 

الملف الفلسطيني

من الواضح ان إسرائيل - المتحمسة لترامب في معظم ملفات المنطقة - تبدي عدم ارتياح فيما يتعلق بما يظهره ترامب من اهتمام كبير بحل قضية الصراع المركزية، وعلى الرغم من الانحياز الترامبي الواضح والمعلن لصالح إسرائيل وتنصله من أي التزام تجاه نتائج التسوية (دولتين أو دولة) وإعلانه عن عزمه نقل السفارة وموقفه الخجول من التوسع الاستيطاني؛ إلا ان حكومة نتنياهو قلقة مما يظهره من زخم الجهد والاهتمام الكبيريْن بالتوصل إلى الصفقة الكبرى.

 

القلق الإسرائيلي له علاقة بأمرين: الأول ان إسرائيل ليست في وارد أي حل سياسي، وهي تدرك ان أي حل سياسي لابدّ سيمنح الفلسطينيين دولة على معظم أراضي الضفة، ويمنحهم موطئ قدم في القدس، وهو الأمر غير المقبول على إسرائيل نتنياهو وائتلافه اليميني. الثاني ان ترامب ليس من السهل التحريض عليه كما كان الأمر مع إدارة أوباما، وليس من السهل تحمل مسؤولية إفشال رغبته في التوصل للصفقة الكبرى، وهي تخشى من حقيقة انكشاف موقفها المتمسك باستمرار الضم والتوسع الاستيطاني والرافض لأي تسوية سياسية.

 

لذلك فإن إسرائيل ستسعى لوضع المزيد من الاشتراطات على مسار التسوية مع الفلسطينيين، ومن بينها ما بات مطلبًا قويًا، والمتمثل بوقف بتمويل الأسرى وعائلات الشهداء، باعتبار ذلك المعيار الحقيقي للرغبة في السلام. مزيد من الشروط لتحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل، وربما ستتبنى لجمًا ما للتوسع الاستيطاني، لجم متفق عليه مسبقا مع الإدارة الأمريكية.

 

إما فيما يتعلق بموضوع نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس، فنعتقد بأن نتنياهو ربما هو من يقوم بالدفع لإرجاء هذا الأمر، فهو من الذكاء بحيث لا يعرض للخطر كل الاستثمار الدبلوماسي الإسرائيلي مع الأنظمة العربية، وهو يدرك أن نقل السفارة لن يكون في مصلحة إسرائيل في هذه الظروف، حيث ثمة احتمال كبير لأن يشكل نقلها سببًا لاشتعال حريق وردود فعل وتداعيات لا يمكن السيطرة عليها، تخرب على الأقل على كل جهود التقارب الإسرائيلي مع بعض الأنظمة العربية.

 

في النهاية، فإن إسرائيل تفضل إغراق إدارة ترامب في الملفيْن الإيراني والسوري باعتبارهما من أولويات الحكومة الإسرائيلية، وإبقاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في حالة تبريد مع المحافظة على سياسة إدارة الصراع، إدارة شكلية غير فاعلة لتسوية ما، تتيح استمرار التوسع الاستيطاني. كما ان إسرائيل سوف تعمل على توظيف واستثمار الانحياز الأمريكي على جبهة المنظمات الدولية، وعلى مستوى حث التقارب العربي مع إسرائيل.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق