المخرج من جحيم غزة... حماد صبح

المخرج من جحيم غزة...  حماد صبح
أقلام وآراء

بقلم : حماد صبح

لا شيء في غزة يسير سيرا طبيعيا ، أو قريبا بعض القرب من الطبيعي ، والمصائب الكبيرة تتهاوى عليها من كل جانب ، وفي كل شيء ، وتتعالى استغاثاتها ، وما أقل المبالين والمغيثين ! وفي الآونة الأخيرة ، نفد وقود مولدات المستشفيات الحكومية ، ومستشفيات الأونروا .

 

في السابق ، كانت الأزمات تصيب المستشفيات الحكومية في الوقود ، ونقص الأدوية ، والمستلزمات الطبية . الآن ، وبعد قرار ترامب تخفيض مساهمة أميركا في ميزانية الأونروا ، والتهديد بوقفها كليا ، لحقت مستشفيات الأونروا في الأزمات بمستشفيات الحكومة ، والمتوقع أن يصيب التخفيض الأميركي بالضرر أو حتى التعطيل بقية خدمات الأونروا الأخرى مثل التعليم . وقدمت الإمارات مليوني دولار مساهمة في مواجهة مشكلة نفاد الوقود في مستشفيات الأونروا ، وقدمت قطر مساعدة بقيمة 9 ملايين دولار تشمل الأدوية والمستلزمات الطبية ، والمواد الغذائية ، ووقود تشغيل المستشفيات .

 

ما قدمته قطر والإمارات ، وما قد يقدمه غيرهما من الدول خاصة بعد ما أعلنت إسرائيل موافقتها على دخول أي مساعدات إنسانية إلى غزة ؛ مسكنات مؤقتة ، ستعود بعدها الأزمات بكل أنواعها إلى ما كانت عليه ، وربما أشد .

 

هذا ما حدث سابقا ، وما سيحدث لاحقا ، وستدوم الأزمات في غزة بكل أنواعها ، ومنها أزمة البطالة التي تتجاوز 60 % من القوى المؤهلة للعمل . ويجتهد الناس في غزة للتخفيف ولو قليلا من وطأة أزماتهم ومصائبهم الكبيرة الخانقة ؛ بوسائل من التكافل الاجتماعي ، ويبثون شعارات مثل " فكر بغيرك ! " ، و" سامح تؤجر! " الذي يشجع الدائنين على إلغاء ديونهم على مدينيهم . وتقدم بعض المطاعم وجبات مجانية للمواطنين إلا أن كل وسائل التكافل الاجتماعي لن تجدي في مواجهة هذا الوباء الواسع من الأزمات والمصائب الكبيرة التي نكبت بها غزة ، والتكافل الاجتماعي ليس أكثر من " أكل من اللحم الحي " ، ومشكلات غزة المتنوعة والكبيرة لن تحلها هذه الوسائل وسواها من الإغاثات المؤقتة .

 

المجتمعات لا تحيا بهذه الوسائل ، وبهذه الإغاثات . لابد من استقرار سياسي وحياة اقتصادية مستقرة ، وغزة سلبت الاستقرار السياسي والحياة الاقتصادية المستقرة ، ومنبع السلب بنوعيه ما يُطْبق عليها من حصار يعزل الحياة والناس فيها عن العالم ، وفي واقع هذا الحصار لا يعترف أحد بمسئوليته عن أزمات غزة .

 

إسرائيل لا تعترف رسميا بأنها قوة احتلال غير مباشر لغزة ، وتتستر على هذه الحقيقة بالسماح الضيق لأنواع محددة من السلع بالدخول إليها ، وتمنع أكثر من 400 سلعة مما تسميها مزدوجة الاستعمال ، أي مدني وعسكري .

 

والسلطة الفلسطينية التي هي عمليا بلا سلطة ، حتى في الضفة ، تصر على ما تسميه التمكين التام  لتتولى مسئوليتها عن غزة متجاهلة التغيرات الكبيرة الجذرية التي حدثت في سني الانقسام الإحدى عشرة ، ومصر التي تتحكم في منفذ رفح ولا تفتحه إلا في البعيد النادر ؛ في وادٍ سحيق من الانعزال والابتعاد عن غزة ، وتكشف في تصرفها إزاءها عن جهل مخيف بكل ما فيها ، وهي على كل حال مُضيَعة في أزمات داخلية كبرى ، ومنكفئة على ذاتها . وهكذا تدوم أزمات غزة ومصائبها وتتوالد ، والناس يتجلدون ويصابرون ، وللتجلد والصبر حدود .

 

وفوق كل هذه الأثقال من الأزمات والمصائب هناك الهذيان الإسرائيلي الذي لا يتوقف عن قرب حرب إسرائيلية رابعة على غزة ، وأسميه هذيانا لكونه فعلا هذيانا لخلوه من العقل وصحة الإدراك . من يتابع هذا الهذيان يتصور غزة دولة عظمى هائلة القوة ، وشاركت أميركا في هذا الهذيان ، فزار بعض المسئولين الأميركيين محيط غزة في الجانب المحتل من فلسطين ، وطمأنوا المستوطنين ، وأكبر وأغرب مشاركة أميركية في الهذيان الحربي والأمني الإسرائيلي رأيناها في مناورة أخيرة لقوات إسرائيلية وأميركية في محيط غزة .

 

كم صغرت أميركا في السنة الأولى من ولاية ترامب الذي وصفه توماس فريدمان في مقال أخير له ب " كذاب أشر ومحطم للقيم " . في  سبتمبر / أيلول من 1970 ، ألغى الأسطول الأميركي السادس مناورات كان يتأهب للقيام بها في البحر المتوسط بعد أن أذيع نبأ وفاة عبد الناصر في ال 28 من ذلك الشهر ، لم ترَ أميركا أحدا بعده جديرا  بأن تخيفه بالمناورات .

 

أميركا المتصاغرة المتضائلة الآن ترى غزة الصغيرة الفقيرة جديرة بالإخافة طمأنةً لإسرائيل المسكونة في أعماقها بوسواس الأمن . كيف لغزة أن تحيا حياة طبيعية  في هذا الجحيم ؟! طبعا لا حياة ، ولكننا يجب أن نصبر ونصمد ، فكل ما يحدث لغزة جرائم كبرى أيا كانت الجهة التي تفعلها ، وجرائم إسرائيل ضد غزة ما كان لها ان تحدث لو واجهتها جبهة فلسطينية متماسكة ، ولو كانت هناك قيادة فلسطينية أمينة على قضية شعبها . التفتت الفلسطيني أوهن الشعب الفلسطيني، وأغرى إسرائيل بالتجرؤ على تصعيد جرائمها ضده في غزة وفي الضفة ، وشجع كثيرين من الصهاينة العرب على المجاهرة بصهيونيتهم المخبوءة . الشعب الفلسطيني ليس له قيادة تستثمر لمصلحته تضحياته الجريئة  في الدفاع  عن حقه في الحياة وفي السيادة الوطنية على ترابه . هل لدينا قيادة فلسطينية في عظمة تضحية الشهيد ابن الشهيد أحمد نصر جرار ؟! قال أحد مسئولي السلطة عند  استشهاد أحمد بعد شهر من مطاردة القوات الإسرائيلية  له : " لا نريد العودة إلى أيام المطاردين " !.

 

لا مخرج من جحيم غزة ، ولا منقذ لمصير قضيتنا الوطنية العادلة إلا بتماسك جبهتنا الوطنية خلف قيادة أمينة على هذا الشعب وعلى قضيته ، ومقتدرة على الارتفاع إلى مستوى عظمة تضحياته .

التعليقات : 0

إضافة تعليق