صفقة القرن.. بين الحقيقة والوهم... جميل عبد النبي

صفقة القرن.. بين الحقيقة والوهم... جميل عبد النبي
أقلام وآراء

جميل عبد النبي

لا يخلو يوم من الحديث عما يسمونه صفقة القرن، منذ أن انتخب الرئيس الأمريكي ترامب وحتى يومنا هذا، وفي كل مرة لا يعطينا المتحدثون عنها تفاصيل كافية تمكننا من القدرة على فهم طبيعتها، حتى إنه بات من الأجدر تسميتها» أحجية القرن» لا صفقة القرن..! 

 

لقد كثر الجدل حول إن كانت هناك بالفعل صفقة حقيقية تستحق هذا الوصف أم لا، لكن اللافت- قبل البحث في وجودها من عدمه- هي هذه الطريقة الدعائية في الترويج لها قبل الإعلان عنها، والتي تشبه ما تقوم به الشركات التجارية في الترويج لبضائعها، ولعل الخلفية التجارية لترامب هي ما يقف وراء هذه الطريقة الجديدة في الترويج لصفقات سياسية.. ! ثم هذا الاسم التجاري الكبير» صفقة القرن» جعل منها لغزا بحاجة إلى فك الشيفرة الخاصة به.

 

هل هناك بالفعل خطة أمريكية لحل مشكلات الشرق الأوسط تستحق هذا الاسم؟ هذا بالضبط هو السؤال الذي أرق السياسيين طوال الأشهر السابقة، ثم ما هي طبيعة هذه الصفقة إن كان هناك صفقة؟ وهل يمكن أن تقدم حلا عادلا مقبولا للمشكلات الكبرى، وخاصة القضية الفلسطينية؟ أم أنها في مجملها لن تصب إلا في صالح إسرائيل؟

 

مبدئيا: دائما لدى الولايات المتحدة ما تقوله في كل مشكلات العالم، ليس بوصفها إلها للعالم، ولا قدرا لن تمنعه كل الطاقات من النفاذ، لكن، بوصفها أكبر وأهم دولة في العالم، وترى في نفسها زعيمة كونية، وذات مصالح عابرة للقارات، وبالتأكيد فإن من أهم مصالحها- إن لم يكن أهمها على الإطلاق- هو ما تجنيه من المنطقة العربية، التي تصر على إعادة تشكيلها وفق رؤية تخدم الحفاظ على هذه المصالح، وأظن أن العين المجردة وحدها قادرة على كشف الكثير من التدخلات الأمريكية التي تصب في هذا الاتجاه، ما يعني بالضرورة أن هذه المنطقة هي محط اهتمام السياسة الأمريكية، ولا يمكن أن تتركها للاعبين آخرين، دوليين أو إقليميين، بدا واضحا أن بعضهم يسعى لأن يستحوذ على شيء من النفوذ، بما لا ينسجم مع المصالح الأمريكية، ما يعني أن التدخل هذه المرة أكثر إلحاحا لأن تحاول فرض رؤية تسحب البساط من تحت أرجل اللاعبين الآخرين.

 

بغض النظر عن العنوان التجاري..! الذي أطلقته أميركا على مقترحاتها هذه المرة، إلا أن كثرة ما تم تسريبه من جهات مختلفة، ثم التصريحات الرسمية الأخيرة لمسئولين أمريكيين عن صفقة تطبخ على نار هادئة، وأنها هذه المرة للتنفيذ وليس للتفاوض، وغيرها مما سنحاول ذكره هنا- بما يسمح به المقام- ليشير بوضوح إلى وجود شيء ما لدى الولايات المتحدة، ستحاول فرضه على المنطقة، مرة أخرى ليس بوصفها قدرا، وإنما قوة عظمى ذات مصالح في معظم مناطق العالم، ولربما تجدر الإشارة أيضا إلى أن بحثنا في مضمون هذه الصفقة لا يأتي في سياق الترويج لها (حاش لله)، وإنما في سياق محاولتنا للفهم، حتى نستطيع- كجهة مستهدفة- أن نتوافق على سبل مواجهة، أو تعطيل ما يحاك لنا من مخططات، يقينا لن تكون في صالحنا.

 

كانت أولى التسريبات متعلقة بالقدس، وقيل إن السعودية أوصلتها لأبي مازن: أن على الفلسطينيين أن يقبلوا بمناطق حول القدس ( كأبي ديس) بديلا عن القدس الشرقية عاصمة لهم، ولعل هذا التسريب على وجه التحديد الذي لم تؤكده السلطة، ولم تنفه على وجه اليقين، وفيما لو تم ربط هذا التسريب- أو الإشاعة إن شئت- بالقرار الأمريكي الأخير، القاضي بأن القدس عاصمة لإسرائيل، فإن هذا يجعل من تلك الإشاعة قابلة للتصديق، ويأتي في ذات سياق التوجه الأمريكي الخاص بالقدس.

 

ثم: هناك حديث الآن عن أن المطروح على الفلسطينيين لا يشمل كل المناطق المحتلة عام 67، وإنما أقل ربما من 40% من الضفة، إضافة إلى غزة، أما الحدود فهي من القضايا المؤجلة، ولا نية لإزالة أي مستوطنة، أما غزة التي تنوء بسكانها، فإن خياراتها جنوبا في اتجاه مصر، وليس في اتجاه الوطن الذي تنتمي إليه.

يمكننا الآن أن نجمل المقترحات الأمريكية، بعيدا عن مسمى صفقة القرن على النحو التالي:

 

  1. القدس ليست للفلسطينيين، ويمكنهم بناء قدس جديدة، (كما بنى اليهود قدسهم).
  2. لا دولة فلسطينية على كل الأراضي المحتلة عام 67.
  3. لا إزالة للمستوطنات في الضفة الغربية.
  4. يمكن لغزة أن تتمدد في اتجاه مصر، وليس في اتجاه فلسطين المحتلة عام 48.
  5. لا وجود للاجئين حيث لا تنطبق صفة اللجوء على أولاد اللاجئين، حسب الادعاء الأمريكي الأخير.

 

يمكن الاستدلال على أن كل ما سبق هو في صلب ما تفكر به الولايات المتحدة، من التاريخ الطويل للرعاية الأمريكية للمفاوضات، حيث لم تسع أميركا ولا مرة واحدة للضغط على إسرائيل بما يخالف كل ما سبق، ثم من اللغة الجديدة التي تستخدمها مع الفلسطينيين تحديدا، والتي تتصف بأعلى درجات الاستكبار، حينما وصفتهم بأنهم ليسوا أصحاب حق في الاعتراض، وإنما مجرد جهة تنفيذ..!

 

السؤال الآن: كيف سنواجه هذه المقترحات؟ أو ربما: ما الذي نستطيع فعله كفلسطينيين لإفشالها؟

مبدئياً: أزعم أن الفلسطينيين على ضعفهم هم وحدهم من يمتلكون القدرة على الرفض أو القبول، ولا يمكن لأي جهة عربية- مهما بلغت درجة تساوقها مع أميركا- أن توقع نيابة عن الفلسطينيين، ولا أن تجبرهم على التوقيع، لكن هذا لا يعني أن خياري الرفض أو القبول هما من السهولة بمكان على الفلسطينيين، فالرفض يعني مواجهة أمريكيا وسياساتها وذيولها، ما يعني حتمية الولوج إلى مرحلة من التضييق الذي قد تمس قوت الناس، والموافقة تعني تفريطا بما لا يجوز التفريط به.

 

 في حالة كهذه، تصبح المسئولية أكبر من قدرة أي جهة على أن تتحمل وحدها مسئولية عواقب أي من الخيارين، ولا يجوز- أخلاقيا- أن نترك جهة منفردة تجابه هذا الاندفاع الأمريكي وحدها، ثم نقف نحن كشامتين، أو مزايدين على ما يمكن وصفه بالتفريط.

 

في ظني أن على كل فصائل العمل الوطني والإسلامي، وكذلك القوى الشعبية والمدنية، أن تشكل معا قيادة موحدة، وأن تتخذ قرار الرفض لهذه المحاولة التصفوية، حتى نتحمل معا مسئولية أي نتائج يمكن أن تترتب على قراراتنا الجماعية. علينا أن نقول للعالم: إننا موحدون- كشعب فلسطيني- في اتجاه رفض هذه الصفقة، أو هذه المقترحات، وأن هناك إجماعا فلسطينيا لا يمكن اختراقه على هذا الموقف، وليبحثوا لهم في كوكب آخر عمن يمكنه التوقيع نيابة عنا، لكننا أيضا كفلسطينيين سنعادي أي واهم- ولو من كوكب آخر-  يظن أنه يستطيع قبول ما لا نقبل به

التعليقات : 0

إضافة تعليق