فقدانه يؤثر سلباً على سلوك الأطفال

المصروف المدرسي.. يضيع في زحمة الأزمات الاقتصادية

المصروف المدرسي.. يضيع في زحمة الأزمات الاقتصادية
محليات

غزة/إيناس الزرد :

دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الآباء في قطاع غزة، والذين يكابدون المر من أجل تحصيل لقمة العيش لأبنائهم في ظل الحصار الإسرائيلي وانعدام فرص العمل والخصومات التي طالت رواتب الموظفين وغيرها من الأزمات، إلى عدم مقدرتهم على تأمين أدنى متطلبات أبنائهم خاصة الصغار وحرمانهم من المصروف المدرسي، الأمر الذي يجعلهم يعيشون حرماناً مادياً قد يؤثر عليهم من النواحي السلوكية والنفسية والاجتماعية، ويجعلهم أرضية خصبة لأشكال معينة من الانحرافات.

 

ولعل الفقر والعوز وعدم تناسب الدخل الشهري مع عدد أفراد الأسرة واحتياجاتها، من التحديات التي تعيشها أغلب الاسر في قطاع غزة مؤخراً، مما يجعل المصروف المدرسي لأبنائهم ليس من أولويات الوالدين بسبب انشغالها بإطعام تلك الأفواه الصغيرة واعتبار ذلك من المتطلبات الثانوية، وهو ما يؤثر سلباً على سلوكيات الأبناء ونفسيتهم، ويشعرهم بالنقص والفرق عن غيرهم، وقد تدفعهم قسوة الحرمان إلى السرقة لإشباع رغباتهم وتوفير ما يلزمهم، أو الكذب لينفوا عن نفسهم شعور العوز والحاجة، أو العدوانية والعنف تجاه أقرانهم الذين يشعرون بأن لديهم الكثير مما يحتاجونه.

 

عبء إضافي

 

أبو العبد (42 عاماَ)، أب لأربعة أطفال في مراحل تعليمية مختلفة، يرى أن المصروف المدرسي أصبح عبئاً على قائمة متطلبات الأسرة وهو ما جعله يحذف هذا البند من القائمة.

 

ويقول أبو العبد لـ "الاستقلال" : " بعد الخصومات الكبيرة التي طالت راتبي كموظف سلطة وإدراج اسمي ضمن المتقاعدين عن العمل، لم أعد قادرا على تلبية كافة احتياجات أبنائي الأطفال، وتوفير أبسط متطلباتهم كمصروفهم اليومي، الذي يعتبرونه أساسياً في حياتهم، وخاصة أن زملاءهم دائماً معهم نقود لشراء ما يريدون"

 

وأضاف أبو العبد لـ"الاستقلال": " أشعر بالذنب حيال هذا الأمر؛ لأن منحي لأبنائي المصروف اليومي، كان يحميهم من الأخطار المحدقة بهم في البيئة الدراسية، كذلك ما كان يشعرهم بالنقص، حيث باتوا مؤخرا يقارنون أنفسهم بغيرهم من الأطفال ممن هم في عمرهم وكذلك بأصدقائهم في المدرسة، ولم يتقبلوا وضعهم الحالي ".

 

وبين أن الأمر لم يقتصر على حرمان أبنائه من المصروف اليومي، بل تعداه إلى عدم مقدرته على شراء ما يطلبه أطفاله من حلويات وسكاكر، كبديل عن مصروفهم اليومي، ما جعلهم ينفرون من وضعهم، وهو ما أثر بشكل سلبي على نفسيتهم وجعلهم في حالة بكاء دائمة.

 

انتقاص من قدرهم

 

لم يختلف حال الأب أبو محمود (40 عاما) عن سابقه، والذي كان يعمل في محل لأدوات البناء، والذي أضطر صاحبه لتخفيف يوميته، بسبب قله البيع والشراء، ما أثر على وضعه وعدم قدرته على تلبية متطلبات أبنائه الخمسة، وحرمانهم من المصروف وحقهم في شراء الألعاب والملابس الشتوية، وبعض الأكلات التي يطلبونها.

 

وأوضح أبو محمود لـ"الاستقلال" أن مصروف الأبناء المدرسي أصبح مكلفاً بالنسبة لوضعه المادي الصعب، مشيراً إلى أنه قبل الخصم على يوميته كان يخصص ميزانية شهرية لأبنائه، وبعد الخصم بدأ يخفف شيئاً فشيئا في المصروف، حتى وصل مؤخرا لقطعه عنهم بالكامل؛ لعدم مقدرته على توفيره لهم، ما جعله يشعر بالحزن عليهم .

 

وبين أن قطع المصروف عن أبنائه الصغار جعل بعضهم، يمد يده لأصدقائه أكثر من مرة، ما أثر على نفسيتهم، وباتوا لا يحبون الذهاب إلى المدرسة ولا الاختلاط بغيرهم، معتبرين أن قلة المصروف وعدم توفير التزاماتهم انتقاص من قدرهم وقيمتهم.

 

حالة من الفراغ

 

 بدوره أكد الأخصائي النفسي والاجتماعي زهير ملاخة، أن عدم مقدرة الآباء على توفير احتياجات ومتطلبات أبنائهم الصغار الأساسية؛ بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها الغزيون، يترك أثراً سلبياً على الحالة النفسية للأبناء، ويبدأ بخلق حالة من الفراغ بين التمني والواقع الذي يعيشونه .

 

وأوضح ملاخة لـ"الاستقلال" أن حرمان الآباء لأبنائهم من مصروفهم المدرسي، قد يدفع الابناء  للتمرد على الواقع بطريقتهم الخاصة كالبكاء والعصبية الزائدة، والشعور بالحزن الدائم، والنقص والفرق عن غيرهم .

 

وبين أن الأمر لن يؤثر فقط على نفسية الطفل، إنما على سلوكياته الاجتماعية، فقد يدفعه عدم توفير متطلباته بشكل غير مقصود من الآباء، على اتباع سلوكيات خاطئة تبرز في شخصيته، كالسرقة والتسول ومد يده لأصدقائه وأقرانه، والتلفظ بألفاظ جارحة، ما يؤثر ذلك على مستواه الاجتماعي وتنمية مواهبه وقدراته.

 

وقال ملاخة: " يجب على الأهالي أن يكونوا على دراية بالآثار السلبية التي قد تصيب الطفل، نتيجة فقدانه لأهم متطلباته، وعدم التعامل معها بنوع من الإهمال والعصبية  والشتم والضرب، حتى لا يضر سلوك الطفل، إنما يجب التعامل بنوع من الحكمة والموعظة لتفادي كل السلبيات التي قد تنجم عن ذلك".

 

 وأشار إلى ضرورة تقارب الآباء مع أبنائهم وشرح الوضع الصعب الذي يمرون به، واستخدام الكلمات المؤثرة، وإقناعهم بأن السعادة تكمن بالرضا ولو بالقليل، وتذكيرهم بأن نعم الله كثيرة، مشددا على أن هذه الطريقة ممكن من خلالها أن يتعايش الأطفال مع وضع آبائهم الاقتصادي الصعب ويحاولوا قدر الإمكان أن يتفهموا الوضع  الذي يمرون به ويتقبلونه .

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق