التعصب الحزبي آفة اجتماعية يجب التخلص منها... بسام محمد

التعصب الحزبي آفة اجتماعية يجب التخلص منها... بسام محمد
دنيا ودين

بسام محمد

إن المتابع لواقع مجتمعنا الفلسطيني وما يشهده من تمزق في نسيج علاقاته الاجتماعية، يخلص إلى أن حالة التمزق تلك نتيجة طبيعية لظاهرة التعصب الحزبي ورفض للآخر.

 

التعصب: «هو اتجاه سلبي ضد أعضاء جماعة خارجية بسبب انتمائهم لهذه الجماعة».   التعصب ظاهرة اجتماعية قديمة حديثة، اتخذ أشكالًا عدة. تارة يكون للقبيلة أو للعائلة، وتارة يكون لاتجاه فكري، أو حزب سياسي.

 

التعصب نقيض التسامح والفكر والإبداع، عدو التعايش الآمن. يحمل معاني التشدد، والانغلاق، والجمود، ورفض الآخر، وإن كان الآخر على صواب! التعصب له صلة وثيقة بالعمى. فالمتعصب أعمى البصر والبصيرة معًا. أعمى وإن كان مبصرًا؛ لأنه لا يرى إلا ما حشي في ذهنه من أفكار، بالتالي انعكست على عينه فأفقدتها وظيفتها «الرؤية الصحيحة». التعصب يسهم في خلق شخصية غير سوية (مَرَضية)، يعيق النمو النفسي والاجتماعي للشخص المتعصب بشكل سليم.

 

تعددت أسباب التعصب، منها: تضخم الذات: ماذا قال فرعون لقومه؟ {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد}[غافر:29]. الجهل المعرفي: لا يرى المتعصب ولا يسمع إلا ما يقوله حزبه، بالتالي يغيّب العقل ويعطل التفكير السليم في الحكم على الأشياء والآخر. الغلو في تقديس البشر. قال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ}[التوبة:31]. الانغلاق على الذات وضيق الأفق: أغلب الأفكار المتطرفة تنشأ في بيئة مغلقة، من خصائصها (رفض الآخر، وتكفير المخالف، واستخدام وسائل غير مشروعة لتحقيق أهدافها. والفهم الخاطئ للنصوص والأحكام الدينية). التنشئة الحزبية الخاطئة التي يخضع لها الأفراد في مؤسسات الحزب المختلفة.

 

نتائج التعصب: تصنيف الناس بشكل مفرط، زيادة المسافة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، ينظر المتعصب لجماعته أنها الأفضل والأكمل، أما الجماعات الأخرى أقل شأنًا وقدرًا، هم أعداء، إن لم تصل إلى حد العمالة والتخوين والتكفير. قيام المتعصب بسلوك غير أخلاقي ضد الجماعات الأخرى قد تصل لإراقة الدماء وإزهاق الأرواح. المبالغة في إسقاط الصفات السيئة على الآخر.

 

لا ندعو الأفراد للابتعاد عن انتماءاتهم السياسية. لكن، في المقابل لا يكون الأفراد عبيدًا للحركات التي ينتمون لها. قد يقع الفرد في شِبَاك «الشرك الخفي» من حيث لا يدري، فحينما يؤله الفرد حركته، أو زعيمها، والإيمان بكل ما يقوله دون مناقشة على اعتبار أنها مسلمات لا تقبل النقاش. في هذه الحالة يكون الحزب مقدماً على تشريعات الله تعالى!

 

التعصب الحزبي يؤدي إلى تمزق نسيج المجتمع، ويغيب القيم والأخلاق الحسنة، مثل: (التكافل، المحبة، الإيثار، التعاون، التعاضد)، وتحل محلها قيم سلبية مثل: (الحقد، الكراهية، البغضاء، الشحناء، الأنانية). ليس أدل على ذلك ما يمر به مجتمعنا، وما ترتب عليه من تهديد لأواصر الترابط داخل الأسرة الواحدة، ناهيك عن مشاعر الحقد الدفين والكره الأعمى لكل من هم ليسوا من جماعته.

 

إن التعصب الحزبي نقيض الإسلام والإيمان. الفرد المسلم أولًا وقبل كل شيء ينتمي لأمة الإسلام. {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ }[الأنبياء:92]، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[المؤمنون:52]. وقد حذر الإسلام من التعصب الحزبي والقبلي والعشائري. {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[التوبة:23-24]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية». وقوله: «دعوها [العصبية] فإنها منتنة».

 

التعصب الحزبي ضد وحدة الأمة وتماسكها. لقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للحفاظ على وحدة المجتمع، فقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى». وقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». وقوله: «لا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانًا».

 

كيف نعالج ظاهرة التعصب الحزبي؟ أولًا ترسيخ مبدأ حرية الرأي وتقبل الأفكار المختلفة، تثبيت قاعدة «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». تعزيز قيم الإخاء والمحبة والتسامح ونبذ العداوة، عدم تقديس الشخصيات الحزبية، توحيد الجهود الرسمية والأهلية لمواجهة التعصب الحزبي وآثاره السلبية.

 

ختامًا، يجب التأكيد أن الاختلاف ظاهرة طبيعية صحية، لكن في ذات الوقت نعمل على تقريب وجهات النظر وتجسير الهوة بدلًا من تعميقها. لتحقيق ذلك لابد أن نتأدب ونتخلق بآداب وأخلاق الإسلام في التعامل مع المخالِف. ليس من التعصب محاورة المخالف والرد عليه بشكل علمي بعيدًا عن الجدل والسفسطة، مع الحفاظ على آداب النقد الرصين، وعدم إطلاق الأحكام المتعصبة جزافًا لمجرد المخالفة.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق