في ظل الأزمات الاقتصادية

 شباب غزة.. خارج القفص الذهبي!

 شباب غزة.. خارج القفص الذهبي!
محليات

غزة/ دعاء الحطاب:

في ميناء غزة وأمام تلاطم أمواج البحر جلس الشاب مصطفى أحمد (29 عاماً) يراقب تخبط المياه بالصخور في اندماجٍ تام، و كأنه يرى مشهداً لامس داخله وجسد تضارب أحلامه بصخرة الواقع المرير الذي يعيشه في قطاع غزة المحاصر منذ أحد عشر عاماً. 

 

مصطفى شابٌ طموح، كان يسعى منذ أن وطئت قدماه الجامعة للحصول على وظيفةٍ مرموقة في مجال الاعلام، تمكنه من مساعدة عائلته وتحقيق حُلمه بالزواج، لكنه لم يكن يعلم أن الواقع مخالف لرغباته وبعيد عن أحلامه، فبعدما اجتهد وثابر لسنواتٍ طويلة وجد نفسه عاطلا ًعن العمل وعاجزاً عن توفير أدنى متطلبات تأسيس الحياة الزوجية في ظل الازمات الاقتصادية التي تعصف في القطاع.

 

حال مصطفى يشبه حال عشرات الشباب الذين حالت الأزمات الاقتصادية والمعيشية البائسة بينهم وبين اكمال نصف دينهم وتحقيق حُلم الزواج الذي يداعب خيالهم منذ دخولهم مرحلة " المراهقة"، وينتهي بصدمات تقف عندها عجلة الحياة عن الدوران في عمرٍ يكاد يسبق صاحبه ويتركه مشلولاً بلا حركة.

 

ويعاني قطاع غزة من سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية جراء الحصار الإسرائيلي المفروض عليه منذ أحد عشر عاماً، والحروب المتتالية على مدار سنوات سابقة، بالإضافة الى العقوبات التي فرضها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على الموظفين في القطاع، إذ بلغت نسبة الفقر في القطاع 80% فيما تجاوزت نسبة البطالة50%، ناهيك عن وجود 175 ألف خريج من الجامعات المحلية بلا عمل.

 

صعب المنال

 

ويقول مصطفى لـ"الاستقلال"، "اذا وجد العمل تحقق حلمي بالزواج، لان الزواج تكاليفه تتجاوز الـ10 ألاف دينار، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والبطالة لا استطيع توفير ولو جزءاً بسيطاً من تلك التكاليف، ناهيك عن سؤال أهل الفتاه عن وظيفة الشاب حين تذهب عائلته للتقدم لها، وذلك يمثل احراجاً كبيراً لعائلته في حال لم يكن يعمل".

 

وأضاف بنظراتٍ يائسة: "ليس بإمكان أهلي أن يزوجوني فوضعهم المادي والمعيشي لا يسمح، فنحن 8 أفراد نعيش في بيت بالإيجار ووالدي أُحيل لتقاعد منذ سنوات"، مشيرا إلى أن مجرد التفكير في الزواج بات حلماً صعب المنال بالنسبة له.

 

وأوضح أن عدم تمكنه من الزواج انعكس سلبياً على نفسيته، فكلما دٌعي الى حفل زفاف أحد أصدقائه يشعر بالضيق والحسرة لا غيرة بل لاعتقاده باستحالة أن يكون يوماً مثله متزوجاً.

 

شبح يطارده

 

ولم يكن حال الشاب خالد ناصر( 31 عاماً) أفضل من سابقه، فهو الآخر منعته الظروف  الاقتصادية والمعيشية المأساوية من الالتحاق بقطار المتزوجين، رغم جهده المضنى، للبحث عن عمل ولو بمبلغ زهيد يستطيع من خلاله تلبية احتياجاته كشابٍ أعزب يرغب بالزواج كباقي أقرانه. 

 

وأردف خالد الابن البكر لوالديه خلال حديثه لـ"الاستقلال":" عائلتي تعاني من وضع معيشي صعب للغاية منذ سنوات طويلة، ونعيش على الكابونات من بعض الجمعيات والمؤسسات الخيرية، وبذلك لم نستطع توفير قوت يومنا فكيف لي أن أتزوج؟"، مشيراً إلى أنه لم يترك  مجالاً إلا وعمل فيه فقد عمل بناءً وحداداً، وحطاباً وغيرها من الأعمال التي كان فيها تعب شديد ومال بالكاد يفي قوت يوم عائلته.

 

ويتابع خالد:" كل يوم نقول بكرة بتفرج وبنلاقي شغل ثابت يساعدنا في تحقيق أحلامنا، لكن للأسف كل يوم الوضع يزداد سوءاً والازمات تشتد حتى صار همنا الوحيد لقمة العيش، واذا بقيت الظروف كما هي لن أتزوج الا بعد الأربعين"، ويستدرك ساخراً " هاد اذا لاقيت شغل قبل الأربعين".  

 

وبين خالد، أن حُلم الزواج بات يطارده كالشبح كلما كان جالساً لوحده، لذا يلجأ للجلوس مع أصدقائه غير المتزوجين في إحدى زوايا الطرق المؤدية لمنازلهم، ويقضون أوقاتهم بالحديث والضحك أمام " كانون النار" وأكواب القهوة لا تفارق أيديهم، ورغم الفرحة التي تبدو على وجوههم فإن نار نكباتهم تشتعل في قلوبهم.

 

الأوضاع مأساوية

 

وبدوره، أكد محمد أبو جياب الخبير الاقتصادي، أن الأوضاع الاقتصادية المأساوية للغاية التي يعيشها أهالي قطاع غزة، تعد السبب الرئيسي في تأخر الشباب عن تحقيق حلمهم بالارتباط و الزواج اسوة بغيرهم. 

 

وأضاف أبو جياب خلال حديثة لـ"الاستقلال":" نلاحظ بشكل كبير عزوف الشباب عن الزواج، وذلك ليس عدم رغبة لكن غياب القدرة والامكانيات المالية والاقتصادية اللازمة لتأسيس أسرة جديدة، ذلك لكون الزواج مرتبطاً كلياً بالواقع الاقتصادي ويحتاج الى تكاليف باهظة يصعب توفيرها في ظل انتشار الفقر والبطالة وفقدان القدرة الشرائية والسيولة لدى الاهالي".

 

ونوه إلى أن الواقع الاقتصادي الصعب في القطاع لم يتوقف عند ابتعاد الشباب عن الزواج وارتفاع نسبة العنوسة في كلا الجنسين، بل تضاعف الى ارتفاع نسبة الطلاق بشكل غير مسبوق في العام الماضي، محذراً من التداعيات الخطيرة في حال استمرت الأوضاع الاقتصادية بهذا السوء.

 

وكشف المجلس الأعلى للقضاء الشرعي بغزة عن تراجع عقود الزواج بنسبة 18% عام 2017 مقارنة بعام 2015، في حين ارتفعت معدلات الطلاق بنسبة 8% عام 2017 مقارنة بعام 2016، مما تسبب في عنوسة مركبة للإناث والذكور على حد سواء، وفق وصف رئيس المجلس حسن الجوجو.

 

ويعزو رئيس مجلس القضاء الشرعي، تراجع معدلات الزواج وارتفاع الطلاق إلى الفقر المدقع والانهيار الاقتصادي الناتج عن الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، متوقعاً تصاعد هذه المؤشرات وتحولها لأزمة كبيرة إذا ما استمر التدهور الاقتصادي.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق